فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 1777

وأنا فيما أشير به على الملك وإن اجتهدت فيه، واحتشدت له، وتجاوزت حد الوسع والطاقة مني في استنظافه كالعدم مع الوجود، بل كما لا يتجزّى في جنب أعظم الأشياء، ولكنّي غير ممتنع من أجابة الملك إلى ما سأل على يقيني تعظيم غناه عني وشدّة فاقتي إليه، وأنا رادّ إلى الملك ما أفدته منه، ومشير عليه بما أخذته عنه، فقائل له: إن لكل تربة لا محالة قسما من كل فضيلة، وإن لفارس قسمتها بما أخذته عنه، فقائل وإنك إن تقتل أشرافهم تخلّف الوضعاء بأعقابهم، وترث سفلتهم منازل عليتهم، ويغلب أدنياؤهم على

مراتب ذوي أخطارهم، ولم يبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم، وأشد توهينا لسلطانهم من غلبة السّفلة وذلّ الوجوه، فاحذر الحذر كلّه أن تمكّن تلك الطبقة من الغلبة والحركة، وإن نجم منهم بعد اليوم على جندك وأهل بلدك ناجم دهمهم منه ما لا رويّة فيه ولا بقيّة معه.

فانصرف عن هذا الرأي إلى غيره، واعمد إلى من قبلك من أولئك العظماء والأحرار فوزّع بينهم مملكتهم، وألزم اسم الملك كلّ من ولّيته منهم ناحية، واعقد التاج على رأسه، وإن صغر ملكه فإن المتسمّي بالملك لازم لاسمه، والمعتقد التاج لا يخضع لغيره، ولا ينشب ذلك أن يوقع بين كل ملك منهم وبين صاحبه تدابرا وتقاطعا وتغالبا على الملك، وتفاخرا بالمال حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك، وأوتارهم قبلك، وتعود حربهم لك حربا بينهم، وحنقهم عليك حنقا منهم على أنفسهم، ثم لا يزدادون في ذلك بصيرة إلا أحدثوا بها لك استقامة، فإن دنوت منهم دانوا لك، وإن نأيت عنهم تعزّزوا بك، حتى يثبت كلّ ملك منهم على جاره باسمك، ويسترهبه بجندك، وفي ذلك شاغل لهم عنك، وأمان لأحداثهم بعدك، ولا أمان للدهر، ولا ثقة بالأيام.

قد أدّيت إلى الملك ما رأيته لي حظّا، وعليّ حقّا من إجابتي إياه إلى ما سألني عنه، مع أدائي النصيحة إليه فيه، والملك أعلى عينا، وأنفذ رويّة، وآصل رأيا، وأبعد همّة فيما استعان بي عليه، وكلّفني تبيينه له، والمشورة به، فلا زال الملك متغرّفا من فوائد النعم، وعواقب الصّنع، وتوطّد الملك، وتنقّل الأجل، ودرك الأمل، ما تأتي فيه مقدرته على غاية قصوى ما ينال البشر، والسلام الذي لا انقضاء له ولا انتهاء ولا مدة فليكن على الملك والملك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت