ثم قال: أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان، أهو بائن من القرص؟ قلت: في حال طلوعه بائن، قال: أليس إذا غابت الشمس اتصل ذلك الشعاع بالقرص حتى يعود إليه؟ قلت: نعم، قال: كذلك يعود كل شيء إلى سنخه وجوهره وأصله، فإذا كان يوم القيامة نزع الله سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن فيلحقها كلها بالناصب وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسناته وأبواب برّه واجتهاده من الناصب فيلحقها كلها بالمؤمن. أفترى هاهنا ظلمًا وعدوانًا؟ قلت: لا يا ابن رسول الله، قال: هذا والله القضاء الفاصل والحكم القاطع والعدل البيّن، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا - يا إبراهيم - الحق من ربك فلا تكن من الممترين، هذا من حكم الملكوت.
قلت: يا ابن رسول الله وما حكم الملكوت؟ قال: حكم الله وحكم أبنيائه، وقصة الخضر وموسى عليهم السلام حين استصحبه فقال: { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } .
افهم يا إبراهيم واعقل، أنكر موسى على الخضر واستفظع أفعاله، حتى قال له الخضر: يا موسى ما فعلته عن أمري، إنما فعلته عن أمر الله عز وجل، من هذا - ويحك يا إبراهيم - قرآن يتلى، وأخبار تؤثر عن الله عز وجل، من رد منها حرفًا فقد كفر وأشرك وردّ على الله عز وجل.
قال الليثي: فكأني لم أعقل الآيات - وأنا أقرؤها أربعين سنة - إلا ذلك اليوم، فقلت: يا ابن رسول الله ما أعجب هذا، تؤخذ حسنات أعدائكم فتردّ على شيعتكم، وتؤخذ سيئات محبيكم فتردّ على مبغضيكم؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، فالق الحبة، وبارئ النسمة، وفاطر الأرض والسماء، ما أخبرتك إلا بالحق، وما آتيتك إلا بالصدق، وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد، وإن ما أخبرتك لموجود في القرآن كلّه.