2 -ومن فضائل مكة أنه من دخلها كان آمنا، ومن أحدث في غيرها من البلدان حدثا ثم لجأ إليها فهو آمن، ومن أحدث فيها حدثا أخذ بحدثه.
ومن شرفها أنها كانت لقاحا لا تدين لدين الملوك، ولم يؤدّ أهلها إتاوة [21] ، ولا ملكها ملك قط من سائر البلدان، تحجّ إليها ملوك حمير وكندة وغسان ولخم فيدينون للحمس [22] من قريش، ويرون تعظيمهم والاقتداء بآثارهم مفروضا وشرفا عندهم عظيما. وكان أهلها آمنين يغزون الناس ولا يغزون، ويسبون ولا يسبون، ولم تسب قرشية قط فتوضأ قهرا، ولا يجال عليها السّهام. وقد ذكر عزهم وفضلهم الشعراء فقال بعضهم:
أبوا دين الملوك فهم لقاح ... إذا هيجوا إلى حرب أجابوا
وقال الزبرقان بن بدر [23] لرجل من بني عوف كان قد هجا أبا جهل [24]
(21) الأتاوة: الجزية.
(22) الحمس: قبيلة قريش من تابعها في الجاهلية، لتشددها في الدين.
(23) الزبرقان بن بدر: التميمي السعدي، صحابي، من رؤساء قومه، قيل اسمه الحن ولقّب
بالزبرقان وهو من أسماء القمر، لحسن وجهه، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه فثبت إلى زمن
عمر، وكفّ بصره في آخر عمره، وتوفي في أيام معاوية، كان فصيحا شاعرا، فيه جفاء الاعراب
قال ابن حزم: وله عقب بطلبيرة لهم بها تقدم وكانوا أول نزولهم بالأندلس نزلوا بقرية ضخمة
سميت الزبارقة توفي سنة 45هـ الموافق 665م،(انظر: الإصابة في معرفة الصحابة:
1/ 543، وذيل المذيل: 32، وجمهرة الأنساب: 208، وخزانة البغدادي: 1/ 531، وعيون الأخبار: 1/ 226، والأعلام: 3/ 41).
(24) أبو جهل: هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام، وأحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها في الجاهلية. قال صاحب عيون الأخبار:
سوّدت قريش أبا جهل ولم يطرّ شاربه فأدخلته دار الندوة مع الكهول، أدرك الإسلام، وكان يقال