وبهذه المواهب جميعا حضر مجلس الصّاحب، فرأى وسمع ولقى منه ما ملأ عليه حواسّه، فسجل وقعه الأليم على نفسه في كتابه هذا، وأخرجه صورا معبّرة رائعة ناطقة، أبان فيها أبو حيان عن أصالة فنّية خالدة.
أما أبو الفضل ابن العميد، فإن أبا حيان حسبما حكى عن نفسه لم يحضر مجلسه إلا مرتين فشاهد في إحداهما أعوان أبي الفضل يخرجون من مجلسه بمشهد منه رجلا غريبا صائما، في عشية من عشايا رمضان وقت الإفطار [1] . وشاهد في ثانيتهما محنة شاعر من الكرخ مدح ابن العميد أبا الفضل فلم يجزه بشيء رغم إلحاحه ومطالبته له أمام الحضور [2] .
ومع ذلك، فقد تركت هاتان الحادثتان في نفسه آثارا بلغ من بعد غورها أن رآه أهلا لأن يقرن في أخلاقه بالصاحب، وجعل يتتبّع أخباره ويستقصي نقائصه، نقلا عن جلّاسه وخواصّه، إلى أن اجتمع له ما نقرؤه في كتاب الأخلاق عن أبي الفضل.
ورأى أبو حيان وقد اتّصل بأبي الفتح ابن العميد وجالسه وأعجب به أن يذكره في كتابه، بعد أن خاض في حديث أبيه أبي الفضل، فأثنى عليه وأفاض،
(1) الأخلاق 362. وقد نقل الصاحب ابن عباد ما يشبه هذه الحادثة عن أبي الفضل أيضا. المعاهد 2: 154وانظر محاضرات الراغب 1/ 315.
(2) الأخلاق 334وشهد لها ما يذكره ابن خلكان، الوفيات 2/ 7675.