أن يظهر بمظهر الوفيّ لها، وأن عمله في هذا الكتاب سار على هذا النهج.
وأبو حيّان بعد هذا لم يكن من الجرأة ومناعة الجانب وإن أعجبه، حين يكون بنجوة من الخطر، أن يتظاهر بمظهر الشجاع الذي لا يقيم لخصمه أيّ وزن بحيث يتحدى الوزيرين وأشياعهما، فيسمي كتابه «مثالب» أو «ثلب» أو «ذم الوزيرين» كما حلا للناس أن يسموه فيما بعد، بل إنه بعد أن اختار لكتابه هذا العنوان الذي يسع المجال فيه للثناء بالخير وبالشر معا بلغ من جزعه أن أخفاه عن الأعين [1] ، واحتفظ به في مسودته عنده، واعتذر للوزير ابن سعدان حين طلبه منه بأنه لا جسارة له على تحريره، وبأن جانب الصاحب مهيب، ومكره له دبيب، وتمثّل له بقول الأول:
إلى أن يغيب المرء يرجى ويتّقى ... ولا يعلم الإنسان ما في المغيّب [2]
وحين استسلم لوعيد أبي الوفاء البوزجاني، وقدّم له كتابه «الإمتاع» ، وفيه، كما يقول أبو حيّان: «ما يشيط الدّم المحقون، وينزع من أجله الروح العزيز، ويستصغر معه الصّلب، ولا يقنع فيه بالعذاب الأدنى دون العذاب الأكبر» [3] ، كان أيضا خائفا يترقّب ما لعلّه أن يلحقه من أذى لو اطلع الناس على ما في كتابه.
ولهذا جهد، ما وسعته الحيلة، في تبرير أقواله وأحكامه على الوزيرين وغيرهما في كتابه فالتوى في نقده، واحتجّ له بأن أناسا قبله هجوا وثلبوا
(1) الأخلاق 50/ 54/ 55.
(2) الإمتاع 1/ 54.
(3) الإمتاع 1/ 13.