الصفحة 180 من 330

واعلم أنَّ الله فضَّل العباد بعضهم على بعض ، في الدِّين ، والدنيا ، عدلًا منه لايقال: جار ، ولا حابى ، فمن قال: إنَّ فضل الله على المؤمن ، والكافر سواء ، فهو صاحب بدعةٍ ، فضَّل الله المؤمن على الكافر ، والطائع على العاصي ، والمعصوم على المخذول عدلًا منه ، هو فضله يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء [1] .

[1] أقول: إنَّ الله فاوت بين عباده ، فاوت بينهم في العقول ، وفاوت بينهم في الأجسام وفاوت بينهم في الاستعداد فضلًا منه تعالى وعدلًا ، وفقَّ المؤمن للإيمان وخذل الكافر بسبب ما عنده من الكفر .

ونحن نؤمن بأنَّ الله عزَّ وجل لايأخذ عبدًا من عباده إلاَّ بحجة ، فله في عباده الحكمة البالغة وله عليهم الحجة الدامغة ، لايعذب أحدًا إلاَّ بذنب وقد نزَّه نفسه عن الظلم فقال: { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } (فصلت: من الآية46) وقال: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } (النساء:40) ، وكتب السعادة والشقاوة على كلِّ خلقه فهذا سعيدٌ ، وذاك شقي ، وهذا موفقٌ ، وهذا مخذول ، وهذا عاصٍ وذاك مطيع وهذا عالمٌ ، وذاك جاهل ، وهذا غنيٌّ ، وذاك فقير ، ولم يكن ربنا

سبحانه وتعالى يضع شيئًا في غير موضعه أو يعطي أحدًا ما لايستحقه:

{ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة } (القصص: من الآية68) .

لذلك ، فإنَّ هذا المقطع أو هذه الفقرة تستلزم منَّا عقيدةً بأنَّ الله عزَّ وجل فاوت بين عباده فضلًا منه وعدلا: { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } (الانبياء:23) ، فلايقال لم جعل ذاك رسولا ، وجعل ذاك مخذولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت