الصفحة 66 من 330

وكيف كان كذا وكذا ؟ وقد أنكر الإمام مالكٌ رحمه الله على من قال: ( أرأيت قول الله تعالى الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ فأطرق الإمام مالك وعلته الرَّحُضاء - أي العرق - ثمَّ رفع رأسه ، فقال: الإستواء معلوم والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأنت رجل سوء أخرجوه ، فأمر به فأخرج ) (1) .

إنَّ الكلام في الأصول ، والعقائد ، والجدال فيها محدثٌ لم يأتِ إلاَّ من أصحاب البدع . أمَّا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ، وأتباعهم بل وأهل السنَّة والجماعة جميعًا ، فإنَّه لم يأتِ منهم جدالٌ في العقيدة ، وإنَّما جاء الجدال من حين نبتت فرق الضلال كالجهمية ، والمعتزلة وغيرهم من فِرَقِ الضلال الذين استعملوا الكلام ، وأخذوا بمقدمات المنطق ، وتركوا الآثار فكان عاقبة بعضهم أنَّه يندم عند موته ، وقد مات بعضهم وعلى صدره صحيح البخاري (2)

(1) قال الشيخ الإمام الحافظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي في كتابه البديع الاقتصاد في الإعتقاد ص86:"أمَّا قول مالك فثابتٌ عنه أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص516 من طريقين وذكره الحافظ في الفتح 13 / 406 - 407 وحكم بأن إسناده جيد ورواه اللالكائي في شرح أصول إعتقاد أهل السنة رقم 644 ج2 / 398 وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف ضمن الرسائل المنيرية 1 / 111 وأبو نعيم في الحلية 6 / 325 والدارمي في الرد على الجهمية ص27 والذهبي في العلو ص103 وقال: وهذا ثابتٌ عن مالك"اهـ .

(2) وهو لو ذكر أسم الغزالي لكان أفضل رحمه الله ، وكذلك ندم في تعلم علم الكلام ، والخوض فيه ، وترك تدبر كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعمل بما فيهما من الآيات والحكمة الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي فقال في كتابه الذي صنَّفه في أقسام اللذات:

نهاية إقدام العقول عقال

وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

فكم قد رأينا من رجال ودولةٍ

وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها

وغاية سعي العالمين ضلال

وحاصل دنيانا أذىً ووبال

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

فبادوا جميًا مسرعين وزالوا

رجالٌ فزالوا والجبال جبال

ثمَّ يقول لقد تأملت الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفي عليلا ، ولاتروي غليلا ، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الاثبات: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } (طه:5) { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب } (فاطر: من الآية10) واقرأ في النفي: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } (الشورى: من الآية11) { لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } (طه: من الآية110) ثمَّ قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وكذلك قال أبو المعالي الجويني رحمه الله: يا أصحابنا لاتشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنَّ الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به ، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم ، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه ، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته ، فالويل لابن الجويني ، وها أنا أموت على عقيدة أمي أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور ) انتهى من شرح العقيدة الطحاوية للإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي رحمه الله ص243 وما بعدها بتحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرنؤوط . وإن شئت فارجع أخي القارئ الكريم إلى كتاب درأ تعارض العقل والنقل 1 / 159 - 162 والفتاوى 4 / 71 وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 2 / 82 وتلبيس إبليس ص90 وصون المنطق ص183 وفتح الباري 13 / 350 كما أشير إلى ذلك في مقدمة كتاب القول المفيد على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله بتحقيق الشيخ سليمان بن عبد الله أبا الخيل والشيخ خالد بن علي المشيقح حفظهما الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت