فهرس الكتاب
ص -92- إذا قال للقيم ما ذكر، وهذا قول متضمن للتمليك للمسجد وهو حر يملك فإذا قبضه ناظره بأن بني به فيه ملكه المسجد كالصدقة التي اتصل بها القبض فعلم وضوح الفرق بين المسألتين، واندفع القول بأن كلام البغوي قد يخالف كلام الروياني ووجه اندفاع هذا أن كلام البغوي مخالف له صريحا لكن لمدرك يخصه كما قررناه ومسألة السؤال إنما تشبه فرض مسألة الروياني لا فرض مسألة البغوي، فنتج من ذلك إيضاح ما ذكرته أن كلام الروياني صريح في مسألتنا وأن كلام البغوي لا يخالفه ولا يخالف مسألتنا أيضا فلا يرد علينا ولا على الروياني، ومما هو صريح فيما ذكرته أيضا قولهم يصح وقف المستأجر لما بناه في الأرض المؤجرة ولو بعد المدة، فإن كانت موقوفة تعين الإبقاء بالأجرة على ما فيه مما هو مبسوط في محله مع قولهم إنما صار المبني في عمارة الموقوف وترميمه وقفا بالبناء لجهة الوقف ولم يحتج لإنشاء وقفه بخلاف بدل الموقوف إذا قتل؛ لأن الأرض الموقوفة باقية، والمبني به كالوصف التابع بخلاف المقتول فإنه فات بالكلية، فإذا تأملت كلامهم هذا مع الذي قبله علمت أن هذا فيما إذا بنى في الموقوف من له الولاية كالناظر أو الحاكم أو مأذون أحدهما فبمجرد بناء أحد هؤلاء يصير المبني وقفا من غير احتياج لإنشاء وقف لوقوعه تابعا للموقوف الموجود ممن له الولاية عليه، وعلمت أن الأول في بناء غير هؤلاء في أرض موقوفة فلا يصير بناؤه وقفا بمجرد بنائه لما علمت من تصريحهم بصحة وقفه المستلزمة لكونه مالكا له، وهذا هو عين ما قلناه من أن المستأجر إذا بنى متعديا في الأرض أو الدار الموقوفة المستأجرة، لا يخرج بناؤه عن ملكه بمجرد بنائه بل ولا بنية أنه للوقف كما مر، فإن قلت: صرحوا في غرس الشجرة في المسجد باعتبار نية الغارس وقالوا فيما إذا غرسها مسبلة للأكل: إنه يجوز أكل ثمرها بلا عوض، وكذا إن جهلت نيته حيث جرت العادة بأنها تغرس مسبلة للأكل، فما بال النية أثرت هنا ولم تؤثر في مسألتنا قلت: ما ذكروه هنا من تأثير النية وحدها مشكل خارج عن القواعد فلا يقاس عليه وممن صرح بإشكاله الأسنوي فقال: كيف يخرج المغروس عن ملك الغارس بلا لفظ، وقد سبق أنه لو بنى مسجدا لم يخرج عن ملكه بالقصد أي: في غير الموات بل لا بد من اللفظ وأجاب عنه الأذرعي بما لا يشفي فقال: القرينة الظاهرة قد يكتفي بها هنا، والنووي رحمه الله تعالى يختار جواز البيع والهبة والصدقة لمعاطاة فلا يبعد القول بالاكتفاء بذلك هنا إذا جوزنا الغرس؛ لأنه لا يقصد بذلك إلا التبرع للمسجد والمسلمين المصلين بالاستظلال، ولا خفاء أن من وضع خابية على الطريق وكيزانا أنا نقطع بأنه قصد بذلك التسبيل للماء بحكم العادة ا هـ. وفيه نظر إذ الاكتفاء بالقرينة الظاهرة إنما هو بالنسبة لجواز الأكل مع جهل نية الغارس ولا كلام لنا في ذلك، وإنما كلامنا في أنا لو تحققنا أنه غرسها بنية التسبيل للأكل خرجت عن ملكه بمجرد النية، وجاز الأكل من ثمرها بلا عوض وبهذا يظهر اندفاع قوله: والنووي يختار الخ. وأي جامع بين ما نحن فيه وبين المعاطاة لأنا إن قلنا في المعاطاة إنه لا بد من لفظ
ج / 3