فهرس الكتاب
ص -107- والقياس في مسألة السابق إلى الميضأة أنه إن اتسع الوقت أو أمكن المؤثر بكسر الثاء الصلاة مع حقنه جاز له الإيثار إذ ليس فيه حينئذ تفويت حق لله تعالى بخلاف ما إذا ضاق الوقت وتعذرت عليه الصلاة في وقتها إلا بعد تفريغ نفسه فيما سبق إليه فإنه لا يجوز له الإيثار حينئذ بماء الطهر, بل أولى؛ لأن المؤثر بماء الطهر يمكنه الصلاة بالتيمم بعد استعمال المؤثر له, وهنا لا يمكن الصلاة مع الإيثار كما هو الفرض فإن قلت ما أفهمه هذا التقرير من جواز الإيثار مع سعة الوقت, وإن أدى إلى لحوق ضرر للمؤثر بالكسر مشكل؛ لأن التسبب في إضرار النفس, لا يجوز قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وقال صلى الله عليه وسلم:"ابدأ بنفسك"قلت: محل هذا إن لم يكن له صبر على تحمل الضرر أما من له صبر على ذلك وقد رأى غيره اضطر إلى ذلك المحل الآن وإلا لحقه ضرر فيندب له إيثاره حينئذ بلا خلاف حيث كان مسلما وإن لم يكن فيه فضيلة علم ولا صلاح أخذا بعموم قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] نعم قال المتولي؟"الأولى إن لم يحصل منه نفع للدين وللمسلمين أن لا يؤثر غيره"بل وقع في الإبانة والبحر أنه يلزم المؤثر بالفتح في نظير مسألتنا القبول, لكن نظر فيه ابن الرفعة, والنظر واضح جلي إذا كان المؤثر ممن يصبر أيضا فالوجه خلافه بل ينبغي ندب عدم القبول إبقاء لمهجة المؤثر بالكسر حيث آثر غيره عليها, أما إذا كان المؤثر بالفتح لا يصبر فلا يبعد وجوب القبول أخذا من تحريمهم عليه أنه يؤثر غيره, وعلى هذا القسم يحمل كلام الإبانة والبحر وبحث الزركشي أن محل جواز الإيثار إذا ظن سلامة نفسه رددته في شرح العباب بعد ذكر ذلك جميعه بأنه غفلة عن قول الإمام لا خلاف في جواز الإيثار, وإن خاف هلاك نفسه؛ لأن الحرمة شاملة للجميع وهو من شيم الصالحين ا هـ. ومراده بالجواز الجنس الأعم الصادق بالمندوب, وأشار الإمام بما علل به إلى أن هذا ليس من باب الإيثار بقربة حتى يكره أو يكون خلاف الأولى؛ لأن المغلب هنا رعاية حظوظ النفس والنظر إليها فكان الخروج عنها بإيثار الغير مع الصبر غاية في القربة, ولم يكن من الإيثار بالقربة بخلاف نحو تقديم الغير بموضعه في صف فاضل من غير مقتض لذلك, ومن ثم قلت في شرح العباب:"لا يقال قولهم يسن للمجرور مساعدة الجار له من الصف يخالفه قولهم: الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى لأنا نقول ليس هذا إيثارا بقربة كما توهمه بعضهم, بل هو تحصيل فضيلة للغير مع بقاء فضيلته؛ لوجود خلف عنها هو فضيلة المعاونة على البر والتقوى المعادلة لفضيلة ما فات عليه من الصف, وإنما الإيثار بالقربة مثل أن يخرج من الصف قبل الصلاة ليدخل غيره موضعه ونحو ذلك من كل ما فيه تفويت فضيلة على النفس لا إلى بذل, ويستثنى من ذلك أخذا مما مر تقديم من هو أحق منه بتلك القربة كتقديم الأقرإ على الأفقه في الإمامة, وإن كان الأقرأ قد تقدم إليها على أن في ذلك من امتثال أمر الشارع ما يجبر فضيلة تقدمه والله أعلم."
ج / 1