فهرس الكتاب
ص -134- وسئل: رضي الله تعالى عنه سؤالا صورته: قال الشيخ محيي الدين النووي من الباب السابع في الفتاوى إذا أقطع السلطان جنديا أرضا فهل يجوز له إجارتها أم لا. الجواب نعم يجوز؛ لأنه مستحق لمنفعتها ولا يمنع من ذلك كونها معرضة لأن يستردها السلطان بموت أو غيره كما يجوز للزوجة أن تؤجر الأرض التي هي صداقها قبل الدخول، وإن كانت معرضة لأن يستردها منها بفسخ أو غيره ا هـ. قال البرهان الفزاري: وكان والدي يفتي ببطلان إجارة الإقطاع ومستنده أنه لا تصح إجارة الإقطاع بمجرد الإقطاع وأنا موافق في ذلك وتحقيق البحث عندي في هذه المسألة يرجع إلى شيء وهو أن المقطع هل يملك منفعة الأرض المقطعة بالإقطاع أو لا. فإن قيل: إنه ملكها فقد يقال إنه تصح الإجارة بذلك، وإن قيل إنه لم يملكها لم تصح بمجرد الإقطاع وكأنه أبيح له الانتفاع بها كالمستعير فنقول: لم يملكها، وإنما قلنا ذلك لأنه قال في كتابه: المؤبد من الإقطاع يكون تمليكا ويكون غير تمليك ومنه الحديث: لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة أقطع الناس الدور معناه أنزلهم في دور الأنصار ولذلك قال ابن الأثير في النهاية: وكان بعضهم يتأول إقطاع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين الدور على معنى العارية فإذا علمت ذلك علم أنه لا يلزم من مجرد الإقطاع الملك وإذا لم يلزم وكان قبل الإقطاع لغير المقطع قطعا احتمل أنه لم يزل والأصل بقاؤه، وإذا كان الأصل بقاء الملك المحقق فلا يكون المقطع مالكا عملا بالأصل السالم عن المعارض فإنه لم يوجد سوى مجرد الإقطاع وهو لا يستلزم زوال الملك ولا يصلح معارضا للأصل المذكور، وإذا لم يكن المقطع مالكا للمنفعة فلا تصح إجارته كالمستعير، وإذا عرفت هذا التحقيق عرفت اندفاع القياس الذي ذكره الشيخ محيي الدين وأن الأرض التي هي صداق للزوجة ملكها بالعقد وليس ملك الصداق متوقفا عندنا على الدخول، وإنما الذي يتوقف على الدخول الاستقرار وهنا لم يملك المقطع الأرض بلا شك ولهذا لو أراد بيعها منع منه والتردد وقع في ملكه المنفعة، والأصل عدمه فليس المقطع مالكا لأرض ولا منفعتها، والصداق مملوك للزوجة بالعقد وقاس بعضهم إجارة الإقطاع على إجارة الموقوف عليه فلا يتم هذا القياس أيضا، فإن الموقوف عليه يملك منفعة الوقف وقال الرافعي في الشرح الكبير: زوائد الوقف ومنافعه للموقوف عليه يتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم جزم بذلك وحكى قولا أنه يملك الرقبة أيضا، وإنما يكون الإقطاع كالوقف إلا إذا ثبت أن المقطع يملك المنفعة ولم يثبت ذلك، وتحقيقه أن الموقوف إذا صح لزم ولم يكن للواقف الرجوع عنه، فالإقطاع إنما يخرجه الإمام على وجه الجواز لا على وجه اللزوم، ولهذا يرجع فيه إذا رأى ذلك، وأيضا فإن الصحيح أن الموقوف عليه ليس له إجارة الوقف لكونه وقفا عليه، وإنما يؤجره إذا جعله الواقف ناظرا أو أذن له فيه من له ذلك شرعا ونظيره هناك أن المقطع لا يؤجر الإقطاع بمجرد كونه مقطعا، فإن أذن له الإمام في الإجارة جاز حينئذ، وإذا كان الموقوف عليه ملك منفعة الوقف جزما والرقبة على قول وليس له أن يؤجره بكونه موقوفا عليه، فالمقطع أولى أن لا يؤجر الإقطاع بمجرد كونه مقطعا
ج / 3