ص -317- فأجبت: الحكم بالموجب متضمن للحكم بجميع الآثار التي يراها الحاكم، بشرط أن يدخل وقت الحكم بها على الخلاف المشهور فيه، مثاله: أن يحكم حنفي بموجب تدبير. فمن موجبه عنده منع بيع المدبر، فقد حكم به في وقته؛ لأنه منع للسيد منه فامتنع عليه، فإذا أذن له شافعي فيه لم يعتد به؛ لأن فيه نقضا للحكم الأول وليس للشافعي أيضا الحكم بصحة بيعه لو وقع، فإنه وقع باطلا بقضية الحكم الأول. إذا تقرر ذلك علم منه أن حكم الحنفي بموجب هذا الوقف متضمن لحكمه بامتناع إجارته مدة لا يجيزها الحنفي؛ لأن هذا أثر من آثار حكمه، وقد دخل وقته فصار كأنه وجه حكمه إليه، وحينئذ فليس للشافعي الحكم بما يخالف ذلك لأن فيه نقضا لحكم الحنفي وعلى التنزل، وأن حكم الحنفي لا يشمل ذلك فإجارة الناظر الوقف مائة سنة من غير احتياج لذلك باطلة، كما حرره الولي أبو زرعة في فتاويه حيث قال: ما يفعله حكام مكة من إجارة دور الوقف الخربة الساقطة مائة سنة أو نحوها عند الاحتياج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة حسن يسوغ اعتماده إذا لم يكن للوقف حاصل يعمر به، ولا وجد من يقرض القدر المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة، فإنه لا معنى لإجارة مدة مستقبلة بأجرة حالة من غير احتياج لذلك ا هـ. فإجارة الناظر المذكورة باطلة عند الشافعي أيضا، على أن الأذرعي قال: لا تجوز إجارة الوقف مائة سنة مثلا مطلقا؛ لأنه يؤدي إلى استهلاك الوقف فالحاصل أن إجارة الناظر المذكورة باطلة عند الحنفي والشافعي على كل تقدير ا هـ. جوابي، ثم بلغني أن بعض الناس نازع فيه بإطلاق قول الشيخين في باب الإجارة أن الوقف كالملك زاعما أن قضيته صحة الإجارة مطلقا، وروج به على القاضي الحنفي فكتبت إليه أبين بطلان ذلك الاعتراض، فقلت: ما أفتيت به من بطلان الإجارة ذكرت له سببين. أولهما: حكم الحنفي بالموجب وإفساد هذه الإجارة مائة سنة ظاهر مما قررته فيه تبعا لما صرح به جمع من أئمتنا، فلا مساغ لإنكاره، لا يقال: ليس الوقف كالتدبير لتشوف الشارع إلى العتق؛ ولأن البيع ينافي التدبير، بخلاف الإجارة لا تنافي الوقف؛ لأنا نقول: الشارع تشوف إلى الوقف أيضا كما صرحوا به. وزعم أن البيع ينافي التدبير بخلاف الإجارة لا تنافي الوقف غلط فاحش، فإن النظر هنا إلى مذهب الحاكم الحنفي، والإجارة الطويلة منافية للوقف عنده أيضا، فالمسألتان على حد سواء ثانيهما: ما حكيته عن أبي زرعة والأذرعي. فأما ما قاله الأذرعي فإطلاقه بعيد عن قواعدنا، فلذا لم أذكره في الجواب إلا لتقوية كلام أبي زرعة، وأما ما قاله أبو زرعة فهو حسن وقواعدنا لا تخالفه، بل تؤيده وتقويه كما سأذكره. فإن قيل: ينافيه قول الروضة وأصلها في باب الإجارة بعد أن ذكر أن الأرض تؤجر مائة سنة وأكثر، والوقف كالملك فظاهر التشبيه: جواز إجارة الوقف مائة سنة، ولو كان عامرا بدون أجرة المثل؛ لأن الملك يجوز فيه ذلك، وقد شبه الوقف به فليعط حكمه، قلت: لا قائل من الشافعية بظاهر هذا التشبيه المذكور، وإنما سبب توهم هذا منه الغفلة عن كلامهما أعني الروضة وأصلها في باب الوقف، إذ بتأمله يعلم أن مرادهما بقولهما: الوقف كالملك أي في أنه لا يقدر بمدة معينة، لا
ج / 3