فهرس الكتاب
ص -328- الوقف وللموقوف في إيجاره بالأجرة المعينة فيه بمقتضى أن الأجرة المذكورة أجرة المثل وزيادة مثلا فهل إجارة المدة المذكورة صحيحة أو لا. وهل الحظ والمصلحة والغبطة تتقيد بقوله بمقتضى أن الأجرة إلى آخره أو لا. وإذا تقيدت فهل يكفي في المصلحة كون الأجرة زائدة على أجرة المثل كما أفتى به بعضهم أخذا من أن ذلك مصلحة في بيع عقار اليتيم، أو لا بد من مصلحة غير ذلك. وإذا قلتم بأنه لا بد من مصلحة غير ذلك، فما تلك المصلحة، وهل يفترق الحال بين أن يقول الواقف للناظر: أن يؤجر ما رآه وأن لا يقول ذلك أو لا. وهل الحكم بالموجب يستلزم الحكم بالصحة مطلقا كما أفتى به بعضهم. مستدلا بما في أدب القضاء لشيخ الإسلام زكريا رحمه الله تعالى أو لا. وهل إذا تعرض الحاكم الشافعي لعدم انفساخ الإجارة بموت المتآجرين يكون للحنفي الحكم بانفساخها بذلك أم لا. وهل العادة في مدة الإجارات معتبرة أو لا. وما معنى الباء في قوله في المكتوب بمقتضى إلى آخره وما حكم الله في ذلك كله. أفتونا مأجورين، وابسطوا الكلام على ذلك فإن الحاجة داعية لذلك لاختلاف المفتين بمكة فيه وتباين آرائهم وأفهامهم. الجواب: أما عن المسألة الأولى فالذي صرح به الشيخان كالأصحاب أن من وظيفة ناظر الوقف حفظ الأصول والغلات على الاحتياط، ومن وظيفته أيضا إجارته على الاحتياط فأوجبوا عليه الاحتياط في كل من هذين كغيرهما.
ومن ثم قال الشيخ في التنبيه: ولا يتصرف الناظر إلا على وجه النظر والاحتياط، وصرح التاج السبكي بأنه يجب على كل متصرف عن الغير أن يتصرف بالمصلحة، فإن كان في شيء مصلحة ومفسدة واستويا لم يتصرف، ويشهد له نص الشافعي رضي الله تعالى عنه وكلام ابن الرفعة وغيره في وجوب أخذ الولي بالشفعة لمحجوره، إن كان في الأخذ مصلحة، وتركه إذا عدمت في الأخذ والترك معا، واستدلوا بقوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152 والإسراء: 34] وعند استواء المصلحة والمفسدة لم توجد الأحسنية فامتنع القربان وناظر الوقف كولي اليتيم كما صرح به أئمتنا، فكان مثله في ذلك، ومن ثم صرح البلقيني في فتاويه بأنه يجب على ناظر الوقف فعل الأصلح، وكلام الأئمة في باب الزكاة صريح في ذلك فإذا تقرر أنه يلزمه الاحتياط في بقاء عين الوقف وفي إيجاره وأنه يلزمه فعل الأصلح من إيجاره المدة الطويلة والقصيرة إذا كان في كل منهما مصلحة وأنه إذا كان في أحدهما مصلحة، وفي الأخرى مفسدة، واستويا امتنع عليه التصرف علم وظهر أنه لا يجوز للناظر أن يؤجره المدة الطويلة
إلا إن كانت الإجارة أصلح من بقاء عين الوقف بلا إجارة، بخلاف ما إذا كان في الإجارة الطويلة مفسدة، وفي بقاء عين الوقف بدون تلك الإجارة مصلحة أو بالعكس، واستوت تلك المصلحة والمفسدة، فإنه لا يجوز له الإيجار، إذ لا مصلحة فيه حينئذ؛ لأنهما لما استوتا تعارضتا فتساقطتا. وبعد أن اتضح لك أنه لا بد في الإجارة الطويلة من تحقق كونها أصلح من بقاء العين بلا إيجار، فلا بد في صحة الإجارة من ثبوت ذلك كله عند القاضي كما صرح به الأئمة حيث جعلوا ناظر الوقف
ج / 3