فهرس الكتاب

الصفحة 1262 من 1843

ص -341- ولكنه اختار في تعريف السبب بأنه ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما، وقيل: تقدم يعقبه مقصود لا يوجد إلا بتقدمه، ولا أثر له فيه، وذلك كالحبل سبب للوصول للماء، ثم الوصول بقوة النازح لا بالحبل، والطريق سبب الوصول للمقصد ووصوله بقوة الماشي لا بالطريق وحل القيد سبب لفرار المقيد وفراره بقوته لا بالحل، ومنه: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73] فضربه ببعضها سبب الحياة، ولا أثر له فيها، وكذا ضرب موسى صلى الله وسلم على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين البحر بعصاه، قال: فدل هذا على أن السبب هو الموصل مع جواز المفارقة، وأطال في تعريف السبب والعلة والشرط، وعقد لذلك بابا مستقلا. ثانيهما: أن المعلول يتأثر عن علته بلا واسطة بينهما ولا شرط يتوقف الحكم على جوده، والسبب إنما يفضي إلى الحكم بواسطة أو وسائط، ولذلك يتراخى الحكم عنه حتى توجد الشرائط وتنتفي الموانع، وأما العلة، فلا يتراخى الحكم عنها إذ لا شرط لها، بل متى وجدت أوجبت معلولها اتفاقا، كما قاله إمام الحرمين والآمدي وغيرهما، ووجهوه بدلائل كثيرة، وهذا وإن كان في العلة العقلية إلا أن العلة الشرعية تحاكيها أبدا لا يفترقان إلا في أن تلك موجبة بنفسها بخلاف هذه قال الإمام: وليس المراد بكونها توجب المعلول أنها تثبته كما تقتضي القدرة حدوث المقدور، لكنا أردنا بالإيجاب تلازم العلة والمعلول واستحالة ثبوت أحدهما دون الثاني ا هـ. وهذا في الحقيقة هو الفرق الأول السابق بين العلة والسبب، فإنه لا يلازم المسبب لجواز تخلفه لمانع أو فقد شرط والعلة سالمة من ذلك، فالملازمة فيها موجودة أبدا فأنت طالق من نافذ طلاقه علة، لأنه يستعقب الوقوع من غير توقف على شيء، وإن دخلت فأنت طالق سبب لتوقفه على الدخول، فالسبب موجود والمسبب مفقود، ولا كذلك العلة، والأصوليون لم يعتنوا بتحقيق الفرق بينهما، بل ربما وقع في كلامهم أنهما سواء؛ لأن مقصدهم الوصف الذي ترتب بعده الحكم وله مدخل فيه وليس ذلك إنكارا منهم للفرق، بل لما لم يحتاجوا إليه لم يذكروه وهو واقع لا محالة واستعمله الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى في الفقهيات على نحو ما أبديناه فقال في الجراح: ما له دخل في الزهوق فإن لم يؤثر فيه ولا فيما يؤثر فيه فالشرط كالحفر، وإن أثر فيه وحصله فالعلة كالقد، وإن لم يؤثر فيه بل في حصوله فالسبب كالإكراه، واعترض بأنه سمى الحفر سببا في الغصب، وأجاب ابن الرفعة بأن ضمان الغصب يترتب على الحفر. وإن انعدمت التردية وفي الجراح لا قصاص به إذا انعدمت، ومن ثم جعل الحفر سببا للدية لترتبها عليه وإن انعدمت التردية، فالحفر صالح للسببية والشرطية، فإذا ترتب عليه المسبب كان سببا، وحينئذ فالروابط بين الأحكام والأسباب إما مستقلة يضاف الحكم إليها ولا يتخلف عنها وهي العلل، وإما غير مستقلة، فما له دخل في التأثير ومناسبة أيا كان في قياس المناسبات فهو السبب، وما لا مدخل له ولكنه إذا انعدم ينعدم الحكم فهو الشرط، فالعلة أعلى رتبة منهما، ومن ثم وجب القصاص بالمباشرة، وهي العلة دون الشرط مطلقا ودون السبب على تفصيل فيه، فهو رتبة وسطى بين العلة والشرط،

ج / 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت