فهرس الكتاب
ص -346- ذلك الماء لدى شافعي فهل له سماع هذه الدعوى عملا بمذهبه أن ماء عيون مر الظهران مملوك لواضعي الأيدي عليه فيضمن بمثله أو قيمته على ما حرروه في الغصب أم لا. نظرا لحكم الشافعي بالشراء؛ لأن الشراء بان فساده وبتبين فساده يتبين بطلان الحكم بالموجب من أصله، أو ليس له سماعها نظرا لحكم الحاكم الحنفي بالموجب بناء على ما أفتى به بعض مفتيي مذهبه أن الماء الموقوف مضمون، بخلاف المملوك، لكن خالفه مفت آخر منهم فقال: الماء المحض لا يضمن مطلقا سواء الموقوف وغيره، أفتونا مأجورين مع البسط التام، فإن المسألة مشكلة جدا فأجبت: بأن الكلام على هذه المسألة يستدعي بسطا، فلا تضجر منه، فإن فيه فوائد نفيسة لا تظفر بها في غير هذا المحل، ولنجعله في أمور، لكن بعضها مقدمات وبعضها مقاصد أحدها تحرير ماء عيون مر الظهران وغيره من أودية الحجاز هل هو ملك لأهلها أو مستحق فقط فلا يضمن. والذي دل عليه كلام أئمتنا الثاني وعبارة المنهاج وشرحي عليه والمياه المباحة بأن لم تملك من الأودية كالسيل والعيون في الجبال ونحوها من الموات وسيول الأمطار يستوي الناس فيها لخبر أبي داود: الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلإ والنار، وصح خبر: ثلاثة لا يمنعن الماء والكلأ والنار فلا يجوز لأحد تحجرها ولا للإمام إقطاعها إجماعا، ثم قلت: وليس من المباحة ما جهل أصله وهو تحت يد واحد أو جماعة؛ لأن اليد دليل الملك قال الأذرعي: ومحله إذا كان منبعه من مملوك لهم، بخلاف ما منبعه بموات أو يخرج من نهر عام كدجلة، فإنه باق على إباحته ا هـ. وبه يعلم أن ماء عيون مر الظهران ونحوه غير مملوك؛ لأن تلك العيون منابعها غائصة في جبال مباحة لا يعلم منتهى تلك المنابع ولا أصلها، وإنما يخرج منها مياه من أسفل تلك الجبال، وقد جيء إلى ذلك الأسفل، وبني عليه جدران بينهما قناة، فإذا خرج الماء من ذلك السفل جرى بين هذين الجدارين إلى أن يسلط على أراض يسقيها. وإذا كانت تلك المنابع بهذه الصفة تعين القول بأنها غير مملوكة، كما شمله قول المنهاج والعيون في الجبال وقول الأذرعي: ومحله إن كان منبعه في غير مملوك لهم إلى آخره، وتأمل حكايتهم الإجماع، على أن ماء العيون في الجبال لا يجوز لأحد تحجرها الصريح في بقائها على إباحتها، وإن بنى عليها وحجر، على أن ذلك البناء على تلك العيون لا يعلم أنه إسلامي، بل يحتمل أنه جاهلي، فلا يستدل بوجوده للملك ولا لعدمه، ومما يدل لما ذكرته أولا تصريحهم: بأن الماء النابع في المباح كالمعدن الظاهر، فلا يملك بالإحياء، ولا يثبت فيه الاختصاص بالتحجر. ولا شك أن تلك المنابع في جبال مباحة، فلا تملك بإحياء ولا يختص بها بتحجر، وبهذا صح الحديث وقام عليه الإجماع أما الحديث: فهو أنه صلى الله عليه وسلم أقطع رجلا ملح مأرب أي مدينة قريبة من صنعاء كانت بها بلقيس فقال رجل: يا رسول الله إنه كالماء العد أي بكسر أوله لا انقطاع لمنبعه فقال:"فلا إذن"فعلم أن الماء العد وهو الذي لا انقطاع لمنبعه لا يملك، وتلك المنابع من أفراد هذا الماء، فلا يملك، وأما الإجماع فهو قولهم: أجمعوا على منع إقطاع مشارع الماء أي التي منها منابعه، وعبروا
ج / 3