فهرس الكتاب
ص -367- ولا هذا. وإذا كان القاضي الثاني قد ولاه القضاء ولي الأمر من بلاد بعيدة عن البلدة المذكورة في زمن هو قبل زمن وصول مال الصدقة إلى البلدة المذكورة، لكنه لم يصل خبر ولايته إليها ولم يبلغ القاضي الأول ذلك إلا بعد وصول المال المذكور بمدة كما تقدم ذكر ذلك فهل وقوع ذلك، والحالة هذه مانع لاستحقاق القاضي الأول للقدر المعين المذكور اعتبارا بتقديم زمن ولاية القاضي الثاني في البلاد البعيدة. أو وقوع ذلك ليس بمانع لاستحقاق القاضي الأول لذلك اعتبارا بمباشرته ونفوذ قضائه في ذلك الزمن لعدم بلوغه خبر العزل المذكور؟. فأجاب بقوله: يحتمل أن يقال: باستحقاق المعزول لأمور منها في المطلب وغيره ولو جعل الواقف التولية للأفضل أو الأرشد من ابنيه واستقرت على واحد ثم حدث فيهم أفضل منه، لم تنتقل إليه وهذا يشهد لاستحقاق المعزول؛ لأنهم كما نظروا للمتصف بالأفضلية حال جعل الواقف ولم ينظروا إلى صيرورته مفضولا، كذلك ينظر حال قول المتصدق للمتصف بالقضاء. وإن صار بعد ذلك غير متصف به، ومما يدل له أيضا قول الشيخين وغيرهما: لو أوصى لمواليه أو وقف عليهم لم يدخل من يعتق بموته كالمستولدة والمدبر، وعللوه بأنهما ليسا من الموالي حال الوصية، فكذا يعلل بنظيره في مسألتنا فيقال: الثاني ليس بقاض حال قول المتصدق فإن قلت: صرحوا بأنه لو وقف على أولاده دخل فيهم من يحدث له من الأولاد قلت: الفرق أن الوقف على الأولاد والإخوة ونحوهم وقف على جهة فلم ينظروا فيها للأفراد، فدخل غير الموجود تبعا له وهنا النظر إلى صدق هذا اللفظ حال الوقفية، فمن صدق عليه استحق ومن لا فلا. وسيأتي ما يوضح ذلك من أن لفظ المولى من باب المشترك ولفظ الأولاد من باب المتواطئ ومسألتنا كذلك من باب المشترك لا المتواطئ، والجامع بينهما وبين الوقف والوصية أن كلا لا يستحق إلا بالقبول، أما الوصية والصدقة فواضح، وأما الوقف فعلى المعتمد من اضطراب طويل إن كان الموقوف عليه معينا لا جهة، وكما أن الصدقة متوقفة على القبض كذلك الوصية متوقفة بعد الموت على القبول ولم ينظروا لوجوده حال الموت، بل نظروا لوجوده حال الوصية فكذا ينظر هنا للوصف حال قوله أعطوا. فإن قلت: إنما يتم ذلك إن لو كان المولى حال الوصية يدخل وإن خرج عن كونه مولى حال الموت كان كافرا فحارب واسترق قلت: ذاك متعد فلا يناسبه الإعطاء؛ لأنه أزال الوصف المقتضي لاستحقاقه باختياره ولا كذلك في مسألتنا، ثم رأيت المحقق أبا زرعة قال في باب الهبة مع باب الوصية من واد واحد: وإن كان الأول تمليكا منجزا والآخر معلقا على الموت، لكن جمعهما الموت والشيخ الإمام أبا حسن السبكي أشار كما نقله عنه الأذرعي. وأقره إلى أن الخلاف في قبول الوقف مبني على الخلاف في قبول الصدقة الناجزة، فهذا صريح في أن باب الوصية والوقف والصدقة من واد واحد، وهو المدعى ومما قد يدل لذلك أيضا قول البغوي لو أوصى لطلبة العلم صرف إلى من دخل في طلبه يومئذ ا هـ. فاعتبر يوم الوصية مع أن الملك فيها إنما يحصل بالموت بشرط القبول، ومما يدل له دلالة
ج / 3