ص -382- الأذرعي في توسطه عقب كلامهما، قال قائل: وأحسبه السبكي رحمه الله تعالى، وعلى هذا لا فرق بين عبده والأجنبي، وهو صحيح يشهد له مسألة معاونة الغير له، وهي منصوصة متفق عليها ا هـ. وجرى عليه الخادم فقال: وقد يشهد لما قاله الغزالي اتفاق الأصحاب فيما إذا قال: إن رددته فلك كذا فشاركه غيره في الرد وقصد معاونته أنه يستحق زيد الجعل؛ لأنه إذا صح أن يقع عمل الأجنبي له من غير إذنه فبإذنه أولى.
فإن قلت: سلمنا أن كلام الغزالي وإمامه في المعاونة لا التوكيل فكلام القاضي حسين وتلميذه أبي سعيد المتولي صريحان في منع التوكيل، وعبارة القاضي في تعليقته غير المشهورة: ولو رده عبده استحق؛ لأن يد العبد يده، ولو رد وكيله لا يستحق الأجرة؛ لأنه لم يشترط له شيء؛ ولأن يد الوكيل غير يده انتهت.
وعبارة المتولي: إذا رده وكيله لم يستحق شيئا قلت: غاية ذلك أن هذين الإمامين أطلقا منع التوكيل.
والشيخان وغيرهما اعتمدوا التفصيل السابق فيه فتعين حمل إطلاق هذين على أحد شقي تفصيل أولئك وبما فرقت به بين التوكيل والإعانة صرح الأذرعي فقال: وقد يفرق بين مسألة المعاونة والتوكيل بأنه تفويض كلي أي: ولا كذلك الاستعانة، وهذا هو عين ما قدمته من الفرق وبه يعلم أن إطلاق كل من أبي قضام وأبي فضل ليس بصحيح، أما أبو قضام فإنه اعتمد كلام الإمام كما صرح به، وقد علمت أن كلام الإمام إنما هو في الإعانة لا في التوكيل، والذي في السؤال إنما هو من باب التوكيل في معين؛ لأن الفرض أن الجاعل قال لآخر: جاعلتك على الزيارة والدعاء فجاعل غيره ليزور ويدعو، وتخلف هو فهذا توكيل لانفراد الوكيل لا إعانة، وكلام الإمام إنما هو في الإعانة لا التوكيل فاتضح أن إطلاق أبي قضام الجواز هنا غير صحيح وإن استدلا له بكلام الإمام غير صحيح أيضا، وأما أبو فضل فإنه اعتمد إطلاق القاضي والمتولي امتناع التوكيل في المعين، وأخذ بمفهوم ذلك من جوازه حيث لا يتعين، وهو إطلاقا وأخذا غير صحيح أيضا لما علمت أن المعتمد حمل كلام القاضي والمتولي على غير المعذور فيمتنع التوكيل حينئذ بخلاف المعذورون. المعتمد عند الشيخين وغيرهما في عدم التعيين جواز التوكيل مطلقا والعجب كل العجب من هذين الإمامين، كيف غفلا عن كون هذه المسألة في كلام الشيخين ومختصري الروضة وغيرهم، واعتمد الأول كلام الإمام وهو ليس في هذه الصورة والثاني كلام القاضي والمتولي وهو ليس موفيا لتفصيله الذي فصله من الامتناع عند التعيين مطلقا والجواز عند الإبهام مطلقا، وليس كذلك كما تقرر واتضح، فالحاصل أن المعتمد عند الشيخين رحمهما الله تعالى وغيرهما أن الجاعل متى قال: جاعلتك لتدعو مثلا، فإن عذر جاز له التوكيل بأجرة وغيرها وإلا فلا، وتجوز له الإعانة بمن يشاركه في الإتيان بالعمل الملتزم مطلقا، هذا كله إن لم يقل بنفسك، وإلا امتنعت الاستعانة والتوكيل مطلقا كما أشار إليه الأذرعي نقلا عن غيره، ومتى قال من دعا لميتي بمحل كذا، فله كذا جاز التوكيل مطلقا فضلا عن الاستعانة، ويستحق الموكل والمستعين المسمى فاحفظ ذلك وافهمه ولا تغتر بما وقع لكل من ذينك الإمامين
ج / 3