فهرس الكتاب

الصفحة 1417 من 1843

ص -4- أصحابها بل ذكر ما لم يعرف إلا من جهة مؤلفه فكان حراما إجماعا وزعمه أنه قصد بذكر تلك العاهات الموعظة زعم باطل إذ لم يقل أحد فيما علمت أن من مسوغات الغيبة ذكر مساوئ الناس ليتعظ بذكرها غيرهم فإن ذكر أن هذا من الأسباب المبيحة لها عرف الصواب فإن لم يرجع عنه وإلا عزر عليه التعزير البليغ بل ربما يجره اعتقاد حلها لذلك إلى أمر صعب على أن ذلك لا وعظ فيه وإنما هو من تسويل الشيطان وتزيينه القبيح حتى يظنه الجاهل الأحمق حسنا فيدخل في حيز الذم الأعظم المستفاد من قوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] ، ولو تأمل قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] ، لرد هذا الأمر قبل التأليف فيه إلى أئمة الشرع وفعل بقضية ما يأمرونه به لكن الاستبداد بالأمور الصعبة ربما أنبأ عن فساد الطوية وغلبة التعصب للباطل فعلى هذا المؤلف الرجوع عن هذا الأسلوب القبيح من التعرض لأعراض المسلمين بالثلب وليس له أن يحتج ويقول سبقت بذكر ذلك، ولولا أن المؤرخين نقلوه إلينا لما عرفناه فلنا بهم أسوة في ذلك لأنا نقول له هل سبقت بهذا الاختراع القبيح ومن الذي سبقك لذلك هل هو ممن يقتدى بقوله وفعله كأحمد وابن معين وأبي زرعة الرازي وأضرابهم ومن سبقهم أو تأخر عنهم من الأئمة أو من لا يعبأ به ولا يلتفت لأقواله ولا لأفعاله فإن كان الأول فعليك بيانه وإن كان الثاني فلا يبالي الله سبحانه وتعالى بكما في أي واد هلكتما ولقد وقع في عصر مشايخ مشايخنا استفتاء طويل في المؤرخين والذي آل إليه أجوبة محققيهم أنه لا يجوز للمؤرخ أن يذكر من المساوئ إلا ما يقدح في العدالة لبيان الجرح وأما ما عدا ذلك من المساوئ التي لا تعلق لها بالجرح ولا يترتب عليها فائدة دينية فذكرها غيبة شديدة التحريم مفسق إن كان في أهل العلم وقراء القرآن بل وكذا في كل أحد لغير مسوغ على ما قاله القرطبي ونقل فيه الإجماع ويدل لذلك ما في شرح المهذب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من آذى فقيها فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله تعالى فينبغي لهذا المؤلف أن يتأمل ذلك ويرجع عن هذا التأليف بمحوه ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى عما فرط منه من إيذاء الأموات والأحياء سيما أكابر هذه الأمة وليتأمل إن وفق عظيم أدب إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه مع فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها حيث كنى عن اسمها ولم يصرح به مبالغة في التأدب معها ونصه كما في التوشيح عنه وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة لها شرف فتكلم فيها فقال:"لو سرقت فلانة لامرأة شريفة لقطعت يدها"إلى تعبيره بفلانة دون فاطمة تأدبا معها أن يذكرها في هذا المعرض وإن كان أبوها صلى الله عليه وسلم قد ذكرها باسمها ولو تأمل هذا المؤلف عظيم المبالغة من أدب الشافعي رضي الله تعالى عنه في هذا المقام لعلم أن ما سلكه أمر لا يخلص من ورطة قبحه وشناعة موقعه في حق الصحابة رضي الله تعالى عنهم وحمله الناس على ذكرهم بذلك الأمر الشنيع على طول الزمان لأصحاب نبيهم إلا بأن يخلص التوبة.

ج / 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت