ص -19- فإن ما ذكره الطبري من التحريم في المشمس مشكل علينا بقول الشافعي رضي الله عنه"أن المضطر. إذا خاف من الطعام المحضر إليه أنه مسموم"جاز له تركه والانتقال إلى الميتة إذ مقتضاه أنه يجوز له أكله ولا يجب عليه تركه. ونص الشافعي المذكور نقله النووي في المجموع في كتاب الأطعمة ا هـ. وهو مشكل أيضا بقولهم في باب التيمم أنه إذا خاف من استعمال الماء محذورا يبيح التيمم ومقتضاه: جواز استعمال الماء أو ندبه, وإن خاف محذورا يبيح التيمم ولا نعلم أحدا صرح بحرمة استعماله حينئذ بينوا لنا ذلك فالمقصود التفهم والانتفاع لا الاعتراض على كلام العلماء بالاستشكال من غير إحاطة واطلاع كما يقع ذلك لبعض النفوس الشريرة والطباع - آجركم الله وزادكم كمال الاطلاع -."فأجاب"- رضي الله تعالى عنه - بقوله: الجواب عن هذه المسألة يتوقف على مقدمة وهي أن ابن عبد السلام قال لم لا؟ قالوا بتحريم استعمال المشمس لما فيه من الضرر إذا شهد عدلان أنه يورث البرص وأجاب بأن الضرر لا يترتب عليه إلا نادرا بخلاف استعمال المسموم ا هـ. قال الزركشي عقبه وفيما قاله نظر بل يحصل أي الضرر لمن داوم عليه ولهذا قال المحب الطبري: متى خاف الضرر حرما. كلام الزركشي فهو ناقل عن المحب الطبري التصريح بالتحريم, ويوافقه قول بعض المتأخرين لو أخبره عدل بضرر المشمس وأنه يورث البرص وجب عليه التيمم وهذا نص في التحريم أيضا, وكأنه أخذ ذلك من قول السبكي متى شهد طبيبان أو طبيب واحد بأنه يوجب البرص تعين القول بالكراهة أو التحريم ا هـ. ويؤيد التحريم قوله في الحلبيات: استعمال المريض الماء مع ظن ترتب ضرر يخاف منه حرام ومع الشك أو غلبة السلامة جائز نعم هذا, ولك أن تجمع بين القول بالكراهة الذي هو ظاهر كلام الأصحاب, والقول بالتحريم الذي مر عن المحب الطبري ومن بعده بأنه لا تنافي بينهما لأن العدلين أو العدل بناء على الاكتفاء به الذي يصرح به كلام المجموع وغيره كما بينته في شرح العباب تارة يخبران بضرر المشمس من حيث هو وتارة يخبران بضرره لإنسان بخصوصه لمقتض قام بمزاجه فالأول: هو محل الكراهة لا الحرمة لأن ما ندر ترتب الضرر عليه لا يحرم. كما صرح به ابن عبد السلام وجعل منه المشمس إذ هو من حيث هو لا بالنسبة لمزاج مخصوص لا يترتب عليه الضرر إلا نادرا كما صرح به رئيس الأطباء ابن النفيس في شرح التنبيه. والثاني: هو محل الحرمة ويؤيده تصريحهم بأنه لو أخبر طبيب بضرر الماء لبرد أو مرض حرم استعماله ولا ينافي ما ذكرته في المجموع من حكاية وجه أن المشمس لا يكره إلا إن قال طبيبان أنه يورث البرص؛ لأن صاحب هذا الوجه لم يثبت عنده أن الماء المشمس يتولد عنه برص فاشترط شهادة طبيبين في ثبوته له من حيث هو فهم لا يخالف غيره في الكراهة حينئذ, وإنما تخالفهما قبل شهادتهما فهو ينفي الكراهة إن لم يثبت عنده موجبها وغيره قبل شهادتهما لأن موجبها ثابت من غير شهادة كما بينته في شرح العباب بما حاصله أنه جاء في الخبر الصحيح:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"ولا شك أن.
ج / 1