فهرس الكتاب
ص -128- المباحث
في ذكر الصور التي مرت الإشارة إليها في الخطبة وجه الإشكال فيها أنهم ذكروا في بعضها طبق ما مر في بحث الإكراه بحق من وقوع الطلاق وفي بعضها خلاف ذلك من عدم وقوعه مع أن الإكراه فيه بحق فلم يجروا على سنن واحد مطابق لما استثنوه ومن الوقوع مع الإكراه بحق وعدمه مع الإكراه بباطل، فمن تلك الصور قول الشيخين في الأيمان فيما إذا قال لا أفارقك حتى أستوفي حقي منك أنه لو أفلس الغريم فمنعه الحاكم من ملازمته ففارقه ففيه قولان حنث المكره وإن فارقه باختياره حنث وإن كان تركه واجبا لإعساره كما لو قال لا أصلي الفرض فصلى حنث اهـ. وبه جزم غيرهما والقياس الحنث؛ لأنه إكراه بحق وقولهما كما لو قال الخ يشكل عليه ما قالاه أثناء تعليق الطلاق فيمن قال أنت طالق إلا لم أطأك الليلة فوجدها حائضا أو محرمة من أنها لا تطلق خلافا للمزني فإنه لما حكى عدم الحنث عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم اعترضه وقال بل يحنث؛ لأن المعصية لا تعلق لها باليمين ولهذا لو حلف ليعصين الله سبحانه وتعالى فلم يعصه حنث أي وإن كان تركه المعصية واجبا عليه فما قاله المزني هو نظير ما قالاه في لا أصلي الفرض فلم اعتمد الحنث هناك ولم يعتمد هنا موافقة للمزني مع اتحاد المدرك وقد قال غيرهما: المذهب ما قاله المزني واختاره القفال وقيل على القولين كفوات البر بالإكراه هذا حاصل ما في هذا المبحث من هذين الإشكالين القويين ويجاب عن أولهما بأن محل قولهم إن الإكراه بحق لا يمنع صحة التصرف ما إذا كان المكره عليه تصرفا منجزا كما مر في إكراه القاضي للمولي على الطلاق، ولناذر العتق وشارطه على إيقاعه، ولأحد الرعية على القيام بفرض الكفاية كما في إكراه المرتد والحربي على الإسلام. ففي هذا كله يقع المكره عليه ويصح لما مر من تقصير المكره بفتح الراء بترك ذلك القول، أو الفعل اللازم له في الحال الآثم بتركه حتى أحوج غيره إلى حمله عليه أما إذا كان المكره عليه ليس كذلك وإنما هو فعل شيء علق عليه طلاقا مثلا باختياره فلا فرق حينئذ في إلغاء وجود المعلق عليه لداعي الإكراه بين الإكراه بحق والإكراه بباطل؛ لأن الملحظ في الحنث وجود المحلوف عليه باختياره ولم يوجد ذلك في الإكراه بقسميه.
وما أحسن قول بعض شراح التنبيه في مسألة غريم المفلس السابق فإن فارقه بعد حجر الحاكم عليه فعلى قول المكرهأي فلا يحنث على الأصح؛ لأنه مكره شرعا اهـ. فتأمل تعليله عدم حنثه بمنع الحاكم له من ملازمة غريمه المعسر بأنه مكره شرعا تجده صريحاأي صريح فيما ذكرته من أن وجود المعلق عليه بالإكراه الشرعي كهو بالإكراه الحسي في عدم الحنث ومن ثم علل بعضهم عدم الحنث في هذه أيضا بأن الإكراه الشرعي كالإكراه الحسي، فإن قلت هل لما ذكرته من الفرق في الحكم بين المنجز والمعلق وجه جلي يتضح به ذلك؟ قلت: نعم وذلك؛ لأنهم في المنجز لم ينظروا إلا إلى تقصير المكره بفتح الراء بما أوجب أن إكراهه بحق وإلى عدم تقصيره بما أوجب أن إكراهه بباطل، فقالوا في الأول ينفذ قطعا وفي الثاني لا ينفذ
ج / 4