فهرس الكتاب
ص -136- في الدور في الطلاق فأجاب جوابا شافيا كان لكل من أراد الوقوف عليها كافيا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أنجو بها من قبيح العمل الذي لا يحبه سبحانه وتعالى ولا يرضاه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام العالمين في ورعه وتقواه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين لم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يخشوا سواه صلاة وسلاما دائمين بدوام ربوبيته وعلاه آمين"أما بعد"فإن مسألة الدور هذه قد كثر فيها اختلاف العلماء قديما وحديثا وأفردها جماعة بالتصنيف منهم أبو سعيد المتولي والغزالي وأبو بكر الشاشي وإلكيا الهراسي وصاحب الذخائر وغيرهم وهي حقيقة ببسط الكلام فيها لا سيما وقد تلقنها بعض العوام من بعض المتفقهة كما تلقنها هذا المفتي المذكور وصاروا يعلمونها لأجلاف البوادي ويتحيلون على أكل أموالهم بتعليمهم لها وأباحوا لهم العمل بها وجرأهم على ذلك وعلى الحلف بالطلاق وتكراره في ألسنتهم حتى صار لهم عادة وصار جراءة لهم على الكذب والباطل، فإن من سمعهم يحلفون بالطلاق يظن صدقهم لظنه أنه لا يتجرأ أحد على الحلف به كاذبا، وكل ذلك وباله على هؤلاء المتفقهة الذين أضلهم الشيطان وأغواهم وصيرهم من أعوانه يضل بسببهم الناس ويلجئهم إلى أقبح المسالك.
فعليهم غضب الله تعالى ومقته وعذابه إن لم يتوبوا من هذه الأحوال القبيحة وكيف لمن لم يعرف فروض الوضوء على وجهها أن يفتي الناس في الأبضاع والفروج والأنساب ويتجرأ على هذا المنصب الخطر، أما علم قوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116، 117] ، وهذا المفتي المذكور وقد ظهر في كلامه كما ستعرفه ما قضى على حاله وحكم على مقاله بالجهل المفرط والغباوة الظاهرة وبأنه عامي صرف لا يهتدي لضار فيجتنبه ولا لنافع فيقصده بل هو كالراكب متن عمياء والخابط خبط عشواء ومن ذا الذي سوغ لمثل هذا أن يفتي، أو أن يرسل من يأمر برد النساء إلى أزواجهن ولو جاء هذا الجاهل من بلاد الأجلاف والهمج التي هو فيها إلى بلادنا بلاد العلم والشرع لأمرنا حكامنا بأن يوجعوه ضربا وتأديبا وبأن يبالغوا في زجره وتعنيفه بالحبس ونحوه مما يناسب جراءته على منصب لا يعرفه وتصديه لرد فتاوى العلماء التي جاءت لتلك البلاد المذكورة في جوابه بأمره برد النساء إلى أزواجهن ظنا منه أنه معتمد لمسألة ابن سريج وليس كما زعم وتوهم؛ لأن لمسألة ابن سريج مع ضعفها نقلا ومعنى كما يأتي بيان ذلك واضحا مبسوطا شروطا لم يحط بها هذا الرجل لما تقرر أنه عامي صرف وإنما حفظ كلمات من بعض المتفقهة في هذه المسألة واعتنى بها دون بقية أبواب الفقه؛ لأنها جلب لحطام من الدنيا وتكون نارا عليه في الآخرة كيف وهو ممن صدق عليه إن استحل ذلك إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
ج / 4