فهرس الكتاب

الصفحة 1663 من 1843

ص -244- صلى الله عليه وسلم:"إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب فأخشى أن تكون هذه فأكفئوها"، وجمع بين هذا وإذنه في الأكل منه بحمل ذاك على أول الأمر حين تجويزه أن يكون من الممسوخ فحينئذ أمر بإكفاء القدور وتوقف ولم يأمر ولم ينه فيها بشيء وحمل الإذن على علمه أنها ليست من الممسوخ وكراهيته له إنما كانت تقذرا وفيها دليل على الكراهة لمن يتقذره ونقل صاحب العباب إنه قال الحل بعيد في مسألة السؤال عملا بأصل الذات المحرمة وعنه أنه بحث الحل في مسخ حلال محرما عملا بالأصل ونظر فيه بأن صورته صورة محرم فكيف ينظر إلى أصله وتغليبهم التحريم في المتولي بين حرام وحلال يؤيد الحرمة وأخذ من ذلك أنه لو غصب طعاما فقلبه ولي دما ثم عاد إلى حاله لم يحل أكله بغير إذن المغصوب منه احتراما لمال الغير قيل وقضية قولهم لو قتل الولي بحاله لا يقتل أنه لا ضمان عليه هنا بقلبه دما مثلا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

"وسئل"رضي الله تعالى عنه عمن ابتلي بأكل نحو الأفيون وصار إلا لم يأكل منه هلك هل يباح له حينئذ أكله أم لا؟"فأجاب"عفا الله تبارك وتعالى عنه بقوله إذا علم علما قطعيا بقول الأطباء أو التجربة الصحيحة الصادقة أنه لا دافع لخشية هلاكه إلا أكله من نحو الأفيون القدر الذي اعتاده أو قريبا منه حل له أكله بل وجب عليه لأنه مضطر إليه في بقاء روحه فهو حينئذ كالميتة في حق المضطر إليها بخصوصها وقد صرح بذلك جماعة مع وضوحه نعم أشار شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى شيء حسن يتعين اعتماده وهو أنه يجب على متعاطي ذلك السعي في قطعه بالتدريج بأن يقلل مما اعتاده كل يوم قدر سمسمة فإن نقصها لا يضره قطعا فإذا استمر على ذلك لم تمض إلا مدة قليلة وقد زال تولع المعدة به ونسيته من غير أن تشعر ولا تستضر لفقده فبهذا أمكن زواله وقطعه فهو وسيلة إلى إزالة ذلك المحرم في ذاته وإن وجب تعاطيه لأن الوجوب لعارض لا ينافي الحرمة الذاتية كما أن تناول المضطر للميتة واجب في حقه لعروض الاضطرار مع بقائها في حد ذاتها على وصف الحرمة الذاتي لها وما كان وسيلة إلى إزالة المحرم يكون واجبا فوجب فعل هذا التدريج ومن ترك ذلك فهو عاص آثم فاسق مردود الشهادة ولا عذر له في دوام تعاطيه إن أوجبناه عليه في الحالة الراهنة لبقاء روحه فتأمل ذلك فإن كثيرين من المخذولين بالابتلاء بهذه الخصلة القبيحة الشنيعة يتمسكون بدوام ما هم عليه من المقت والمسخ المعنوي بأنهم نشئوا فيه وتمكن منهم فصار تعاطيه واجبا عليهم وجواب ذلك أنه كلام حق أريد به باطل لأنا نقول لهم لئن سلمنا لكم ما قلتموه هو لا يمنع أنه يجب عليكم السعي في قطعه وزوال ضرره ومسخه لأبدانكم وأديانكم وعقولكم ومحصولكم ولقد أخبرني بعض العارفين أنه يمكن قطع الأفيون في سبعة أيام بدواء بره بعض الأطباء بل أخبرني بعض طلبة العلم الصلحاء إنه كان مبتلى منه في كل يوم بمقدار كثير فساءه حاله وتعطل عليه عقله وقاله وأدرك أنه المسخ الأكبر والقاتل الأكبر والمزيل لكل أنفة ومروءة

ج / 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت