فهرس الكتاب
ص -263- به بما ذكر علمت أن النذر في مسألتنا من أقسام نذر التبرر إلا في الحالة الأولى وهي ما قصد الوفاء بالمواطأة وفي غير هذه الحالة لا فرق بين أن يكون المقرض فقيرا أو غنيا فقد صرح القاضي حسين بصحة النذر للغني لأن التصدق عليه قربة فجاز التزامه بالنذر وفي فتاوى الولي أبي زرعة ما يؤيد ما قدمته فإنه سئل عمن نزل لآخر عن أرض يستحق منفعتها بالإقطاع فالتزم المنزول له بالنذر الشرعي أنه إذا خرج له منشور إقطاعها بمقتضى ذلك النزول دفع له كذا فوجدت الصفة فهل يصح هذا النذر فأجاب بصحته وأنه نذر مجازاة ولا ينافيه ما نقله الشيخان عن فتاوى الغزالي وأقراه من أن البائع لو قال للمشتري إن خرج المبيع مستحقا فلله علي أن أهب منك مائة دينار لم يصح لأنه مباح وذلك لأن هذا نذر لجاج إذ ليس للبائع غرض في أن يخرج المبيع مستحقا وإنما يفعل ذلك تحقيقا لزعمه ودفعا لقول قائل ليس هذا ملكه بخلاف المنزول له فإن له غرضا في أن يصير الإقطاع له وهي نعمة فيشكر الله عليها بما يدفعه للناذر فإن قبل لم يستند الغزالي في البطلان إلى كونه نذر لجاج وإنما استند إلى أنه مباح فنذر اللجاج في صورته وصف طردي قلنا صورة الغزالي صرح فيها بأن المدفوع هبة وأما هذه فلم يصرح فيها به فيجوز أن يكون صدقة قصد بها ثواب الآخرة وبتقدير أن لا يقصد به الصدقة فهو مندوب لكونه مكافأة ليد سبقت من النازل بسبب نزوله والمكافأة على الإحسان مطلوبة شرعا وهذا منتف في صورة الغزالي اهـ. فتأمل قوله وبتقدير أن لا يقصد به الصدقة فهو مندوب إلخ تجده صريحا فيما ذكرته من الصحة في مسألتنا في الأحوال الثلاثة وبما قررته يعلم الرد على من أطلق البطلان فيها وعلى من قيد الصحة فيها بتلك الشروط ويعلم أيضا أن الوجه ما قلناه من التفصيل المصرح به في كلامهم فتأمل ذلك فإنه مهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
"وسئل"رحمه الله تبارك وتعالى عمن نذر لعمرو بمال ومراده إلا لم يبع بكر داره من عمرو ومراده أن بكرا لا يترك البيع بل يخالف في ذلك ما حكم النذر وعمن قال لآخر تعلم كذا وكذا إن معك حولا ضيعة نفيسة فقال كالمازح هي نذر عليك ما الحكم وإذا قال أردت غيرها ما الحكم؟"فأجاب"نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله النذر لعمرو في صورته المذكورة يحتمل اللجاج والتبرر وقد مر الفرق بينهما بأنه في نذر التبرر يرغب في السبب وهو شفاء المريض مثلا بالتزام المسبب وهو القربة المسماة وفي نذر اللجاج يرغب عن السبب لكراهته الملتزم فعدم بيع بكر داره من عمرو وإن أحبه الناذر ورغب فيه لغرض صحيح له فيه كان النذر تبررا فيلزمه ما التزمه لعمرو وإن كرهه الناذر أو لم يرغب فيه كان نذر لجاج فيتخير بين أن يعطي عمرا ما التزمه له وبين كفارة يمين وينعقد النذر بقوله هي نذر عليك وإن كان مازحا على أن الصيغة تحتمل الإقرار وهو صحيح مع المزح أيضا ولا يقبل قوله أردت غيرها لأن كلامه صريح فيها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ج / 4