فهرس الكتاب
ص -291- وبما ذكرته في المفتي صرح السبكي فقال فإن قلت العالم الذي تعين عليه تعليم العلم أو وجب فرض كفاية ولم يتعين هل يجوز له قبول الأجرة أو الهدية عليه قلت هذا مما اختلف العلماء فيه والأولى التنزه عنه.ولا يظهر التحاقه في التحريم بالقاضي فإن القاضي فيه وصفان أحدهما الوجوب والثاني كونه نائبا عن الله تعالى والعالم ليس فيه إلا الأول فقط ولا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئا مما يتعاطاه من العقود والفروض والفسوخ وإن لم تكن هذه الأشياء أحكاما بمعنى أنها ليست تنفيذا لما قامت به الحجة بل إنشاء تصرفات مبتدأة ولكن الأخذ عليها ممتنع كالحكم لأنه نائب فيها عن الله تعالى كما هو نائب عنه في الحكم اهـ. قال غيره وللمفتي قبول هدية لا رشوة من السائل ليفتيه بمراده ويجوز الوقف على القاضي كما صرح به السبكي في الحلبيات بل اقتضى كلامه الاتفاق عليه وذلك أن الأذرعي قال في سؤاله عن الصدقة على القاضي من أهل عمله ممن لا حكومة له ولا غرض إلا التقرب إلى الله تعالى بذلك وقع فيه نزاع والقلب إلى التحريم أميل لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى الرشا ويفوت المعنى الذي حرمت لأجله الهدية وهو ميل النفس هذا كلام الأذرعي في السؤال وتبعه شيخنا زكريا رحمه الله تعالى في شرح الروض على التحريم كالهدية وأجاب السبكي فقال ما حاصله الذي يظهر لي جواز ذلك أي الصدقة وليس عندي فيه نقل فالأولى التنزه عنه بقدر الإمكان ثم فرق بين الصدقة والهدية بأن الصدقة يقصد بها وجه الله تعالى فالمتصدق في الحقيقة دافع لله تعالى صدقته أي تقع في يد قبوله وثوابه قبل أن تقع في يد الفقير فهو آخذ منه لا من المتصدق والهدية يقصد بها التودد والميل ووجه المهدى إليه والميل هو المحذور في القاضي فافترقا وكل من هذا والهبة مندوب يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالى فلا مميز للصدقة عنهما إلا ما مر وحينئذ فاللام في تصدق لله للملك وفي أهدى أو وهب لله تعالى للتعليل فالمتصدق مملك لله سبحانه وتعالى كما أن الوقف ينتقل إلى الله سبحانه وتعالى والمهدي مملك للمهدى إليه.
وقد يكون لأجل الله وحينئذ فلا منة على المتصدق عليه للمتصدق إذ لا تمليك منه له ولا يد له عليه وميله له بسبب ذلك لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها بخلاف الهدية فإنها تستدعي الثواب عليها عادة إما بمال أو بغيره وأطال في ذلك ثم قال ولو حرمنا على القاضي الصدقة حرمنا عليه الوقف لأنه صدقة اهـ فأفهم أن الوقف لا نزاع فيه ولا تردد في حله وإنما النزاع في الصدقة أي والأوجه فيها ما مر عن الأذرعي وشيخنا من الحرمة كالهدية لأن المعنى الذي حرمت الهدية لأجله موجود في الصدقة بتمامه وفرق السبكي المذكور بينهما لا يجدي شيئا مما نحن فيه لأنه على فرض تسليمه باعتبار ما في نفس الأمر والنظر إلى الحقائق والتقديرات البعيدة عن أفهام الناس ومثل ذلك لا يلتفت إليه في ربط الأحكام به لأنها إنما تربط بالأمور الظاهرة المتبادرة للأفهام مع قطع النظر عن تلك الحقائق والتقديرات البعيدة ولا شك أن المتبادر من الهدية والصدقة شيء واحد هو الميل
ج / 4