فهرس الكتاب

الصفحة 1778 من 1843

ص -357- وإذا تقرر لك ذلك وعلمت أن المسألة منقولة هكذا وإنها مشهورة خلافية بيننا وبين مالك وأن بعض أصحابنا وافق مالكا وأن الراجح مخالفته للأدلة التي ذكرت ظهر لك واتضح أن جميع ما قاله السبكي رحمه الله تعالى في مسألة النسب ومسألتي الحدود إنما هو رأي مخالف للمنقول وأنه إنما قال هذا الرأي ظنا منه أن المسألة ليست منقولة كما صرح به هو بقوله فرع ليس بمنقول وبما ذكره في خلال ذلك وخلال مسألتي الحدود وأنه لو رأى مسألة النسب التي ذكرتها لم يسعه مخالفتها ولما أجاب عن إيراده دليلها عليه وهو {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ} [القصص: 9] ، بقوله إن دلالة الآية على أنها امرأة فرعون دلالة التزام إلخ وإذا اتضح لك ذلك وإن المنقول أن الشهادة الضمنية كالمطابقة اتضح لك أن الشاهد متى قال أشهد أن الدار المحدودة بكذا أقر بها فلان أو باعها فلان أو وقفها أو نحو ذلك كان ذلك شهادة بالإقرار أو العقد أصلا وبالحدود ضمنا فنقبل كلا من الشهادتين ويعمل بهما وبتأمل قولهم إن الشهادة بالبنوة ضمنية يندفع قول السبكي في أواخر مسألة النسب لأن المشهود به الذي يقصد إثباته لا يكتفى فيه بدلالة الالتزام بل لا بد أن يذكره الشاهد ويدل عليه مطابقة كان أو التزاما ووجه رده أن ما هنا ليس من الدلالة الالتزامية في شيء وإنما هو من الدلالة التضمنية وشتان ما بين الدلالتين وبهذا يندفع أيضا جوابه عن الاستدلال بآية {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ} [القصص: 9] ، ويظهر صحة استدلالهم للراجح أن الشهادة بالنبوة مقصودة أيضا ووجه دلالتها لذلك أن القصد صدور ذلك القول من المرأة الموصوفة بالزوجية لفرعون فوصفها بذلك من جملة المقصود من الخبر وفرقه بين الله والشهود بما مر صحيح لكنه لا ينتج ما قاله ويرد ما قالوه لأنهم إنما نظروا إلى أن اللفظ له دلالة على ذلك مع قطع النظر عن علم المتكلم وكونه عاما أو خاصا لأن ذاك أمر خارج عن الدلالات اللفظية التي هي وضع هذه المسألة ومما يوضح لك ذلك استدلالهم بما مر عن النصارى وتكذيبهم في أن عيسى ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلولا أن دعواهم بنوته وقعت في كلامهم مقصودة لما كذبوا إذ التكذيب كالتصديق إنما يكون في النسب الخبرية سواء أقصدت مطابقة أم تضمنا فنتج من ذلك أن ما نحن فيه من مسألتي النسب والحدود من النسب الخبرية المقصودة ضمنا فوجب العمل بها إذا وقعت في لفظ الشاهد لما تقرر أنها مقصودة نعم الحق أنه لا بد في الشاهد الذي يقبل منه ذلك أن يكون عنده مزيد تحر وضبط ومعرفة بحيث يغلب على الظن أنه لا يتساهل بإطلاق البنوة والحدود في شهادته من غير مستند له في ذلك يجوز له الاعتماد عليه وأنه لا يعتمد في ذلك على ما لا يجوز له الاعتماد عليه كقول العاقد أو غيره مما لا يفيده ظنا قويا يستند إليه في شهادته وكلامهم وإن كان مطلقا هنا أعني في مسألة البنوة إلا أنه في مواضع أخرى دال على ذلك وبهذا اندفعت تلك الاحتمالات والقرائن التي نظر إليها السبكي وجعلها حجة له في رد الشهادة المتضمنة للبنوة والحدود ووجه اندفاعه أنا إذا اعتبرنا في الشاهد تلك الصفات أخذا من متفرقات كلامهم

ج / 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت