فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 1843

ص -185- فيها من الفضائل ما يفوق الصبح, وكانت مثلها في أن الابتداء بها أول ربع كانت غنية عن أن تحتاج لخاتمة, ألا ترى أن الربع الأول لما ابتدئ بالصبح لم يحتج إلى خاتمة, فكذلك الربع الأخير لما ابتدئ بالعصر لم يحتج إلى خاتمة. ولما تراخت الصبح عن العصر في الفضل ندب لربعها خاتمة وهي الضحى, بخلاف العصر فإنه لم يندب لربعها خاتمة إشعارا بأنها غنية عن الاحتياج إلى جبر غيرها لما ابتدأت به, بل زيد في الإشعار بهذا الاستغناء؛ فحرمت الصلاة التي لا سبب لها بعدها إلى آخر ربعها؛ إشارة إلى أن الكامل قد يمنع الناقص من الاجتماع معه في مرتبته مطلقا, بخلاف غير الكامل فإن الناقص قد يجتمع به وقد يمنع من الاجتماع به؛ وبهذا ظهرت الحكمة في امتداد وقت الكراهة من فعل العصر إلى دخول وقت الصلاة الواجبة التي تليها, وهي المغرب, ولم تمتد في الصبح إلى دخول وقت الصلاة التي تليها - وهي الظهر - بل انقضى وقت الكراهة بارتفاع الشمس كرمح, وشرع له فيما بعد ذلك التطوع بالضحى جبرا لما عساه لم ينجبر بالصبح؛ لأنها ناقصة بالنسبة للعصر بناء على أن الوسطى التي هي أفضل الصلاة إنما هي العصر. وهو الذي صرحت به السنة الصحيحة, فتأمل ذلك, ومن الحكم في جعل العصر أربعا أيضا؛ أنها آخر نحو الربع الثالث كما تقرر, وهي في الحقيقة خاتمة النهار. فهي مشتملة أيضا على ربعيه الباقيين, فناسب أن يكون أربعا كالظهر؛ لما تقرر فيها أنها مشتملة على ربعيه الأولين بالاعتبار السابق, فكذلك العصر لما اشتملت على ربعيه الأخيرين بالاعتبار المذكور وألحقت بالظهر في العدد لاستوائهما في ذلك الاشتمال, وإنما لم يشرع بعد العصر صلاة لما علم من حرمة, أو كراهة الصلاة بعدها حذرا من التشبيه بعباد الشمس في سجودهم لها عند غروبها كطلوعها؛ فاتضح بما قررته أن كل ربع من النهار مقابل بركعتين, وأن العصر آخر النهار, وأنها مشتملة على ربعيه الأخيرين حقيقة, واتضح أيضا كونها الوسطى لانتفاء هذا الاشتمال الحقيقي عن الظهر والصبح. وأيضا فهي لم تأت إلا وقد امتلأ القلب بالأغيار ومعاناة المشاق والأشغال وورطات الأوهام والخواطر فاحتيج إلى ما هو أبلغ في تطهير ذلك وإزالته وتكفير نقائصه, ولا يتم ذلك إلا إن كانت تلك الآلة المزيلة لذلك أكمل الآلات وأحدها وأقطعها, فتفضل الله سبحانه وتعالى - وله الفضل والمنة - وجعل العصر كذلك لتصلح مزيلة لما وقع من أول النهار إلى آخره, من ذلك الاشتغال الكلي المحتاج إلى أبلغ مطهر وأكمله؛ وبهذا اتضح كون الوسطى ليست من الصلوات الليلية؛ لأن الليل ليس فيه ذلك الاشتغال وإنما هو محل راحة وتخل عن العناء؛ ومن ثم خص بأوقات التجلي والقرب وشهود جمال الحق وإنعامه الذي تفضل به على خواصه فيه؛ فهو وقت تحل بالكمالات الناشئة عن ذلك القرب الأعظم, بخلاف النهار فإنه وقت تخل لذلك العناء الصرف والارتباك بحضرة الأغيار المانعة لاستجلاء أنوار الشهود. فاحتيج فيه إلى مزيد لذلك؛ فشرعت الوسطى فيه لتتكفل بتلك الإزالة وكانت العصر لأنها الأحق بتلك الإزالة من غيرها من بقية الصلوات النهارية؛ لما قررته وأوضحته, وأيضا فليس

ج / 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت