ص -186- في التكليف بالصلاة في الليل مشقة التكليف بها في النهار؛ الذي هو محل الأشغال واللهو وعروض ما يضاد العبادة والشروع فيها على الوجه الأكمل؛ من تتابع الأغيار والوقوع في مهامه الأخطار, فكان في الإتيان بالعصر مع ذلك الذي يكثر في وقتها كثرة لا يوجد مثلها في وقتي الظهر والصبح؛ من إظهار الطاعة وعدم تأثير القواطع فيه ما ليس في غيرها؛ وبهذا ظهر أيضا حكمة كون الصلوات النهارية أكثر من الصلوات الليلية؛ لما علمت من أن الامتحان والمشقة في تلك أكثر وأظهر, فطلب من المكلف أن يكون ما فرض عليه بالنهار أكثر منه بالليل؛ ليعظم أجره ويظهر طوعه ويطهر سره ويخرج عن مألوفاته وقواطعه وعاداته. ثم لما انقضى النهار افتتح الليل بثلاث بزيادة ركعة على ما افتتح به النهار؛ إشارة لما مر أن الليل هو محل التجلي الأعظم والقرب الأكمل الأتم, فناسب أن يشار إلى تمييزه عن النهار بذلك بأدنى ما يحصل به التمييز وهو ركعة, ولم يزد عليها لما تقرر أن مبنى هذا الدين على السهولة واليسر ما أمكن, وأنه حيث أمكن الاكتفاء فيه لم يتجاوز إلى أشق منها, فاتضحت حكمة كون المغرب ثلاثا لما كانت النفس مجبولة على حب النوم ومطبوعة على أنه لا بد لها منه, خفف عنها بعض التخفيف؛ فسومحت في ترك ثمن الليل بلا مقابل, وعمل لها وقت العشاء وجعلت أربعا؛ لتكون مقابل ربعين من الليل, وأما المغرب فإنها مقابلة لربعه وثمنه لما تقرر في فروض النهار أن كل منه ربع مقابل بركعتين, فكذلك الليل لكن مع المسامحة بثمنه؛ فإنه لم يقابل بشيء لما علمت ولتمييز النهار - كما أوضحته فيما سبق - لم يجعل ما افتتح به مقابلا لشيء منه في الحقيقة؛ لما مر أن الظهر مقابل لربعيه الأوليين والعصر مقابل لربعيه الأولين. وأما الصبح فهو في الحقيقة مبدأ ومهيئ لقطع تلك المفاوز والمشاق التكليفية النهارية؛ التي هي أشق وأبلغ من التكليفات الليلية إذ النفس تسمح أن تقوم ليلة, ولا تسمح أن تترك من أمر دنياها ما يقابل فلسا ومن ثم ورد في صفة الأبدال أن الله بهم يحيي وبهم يميت وبهم يغيث العباد والبلاد؛ وأنهم لم ينالوا ذلك بكبير صلاة ولا صيام؛ وإنما نالوه بالسخاء والنصيحة للمسلمين؛ فعلمنا أن السخاء أعظم وأشق على النفوس من صيام النهار وقيام الليل؛ فلذلك احتاجت التكليفات النهارية إلى مهيئ يعود عليها بالإغاثة والتسهيل, وهو افتتاحها بركعتي الصبح. ولم تحتج التكليفات الليلية إلى ذلك فكان ما افتتحت به محسوبا منها مقابلا لربع الليل وثمنه, وهذا لا ينافي ما قدمته في حكمة كونها ثلاثا, من الإشارة إلى أن الليل هو محل ذلك التجلي والقرب؛ لأن هذه الإشارة ليست عامة لكل أحد؛ بل خاصة بمن لم يقتصر على واجبة المغرب والعشاء؛ بل أتى بهما في وقتهما وضم إليهما التطوع والتقرب إلى الله تعالى؛ بقيام ما تيسر له من الليل, ولا شك أن من أتى بواجبات النهار والليل وضم إليها ذلك لا بد أن يشار له في تميزه على من لم يضم لتلك الواجبات شيئا. وذلك التميز يحصل بتمييز زمن تلك الزيادة؛ وهو الليل, فهو متميز على النهار من هذه الجهة المشيرة إلى ما اختص به من ذلك التجلي الأقدس والقرب الأنزه الأنفس
ج / 1