فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1843

ص -187- وكونه محلا لذلك لا يقتضي أن واجبه أفضل من واجبات النهار؛ لما قدمته مما يخالف ذلك. وقد يكون في المفضول مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل, والحاصل أن الليل متميز من حيث النوافل التي لا يزال العبد يتقرب بها إلى الله تعالى؛ حتى يصير محبوبا, ثم سمعا وبصرا ويدا ورجلا؛ كناية عن مزيد القرب والتولي وتمام الخلافة والاستنابة ونهاية المحبة والعناية بأموره وأحواله وحفظها عن الأغيار والأخطار, وأنه صار عند الله - سبحانه وتعالى - بمنزلة عظيمة, لو أريد التعبير عن كنهها لم يمكن في العادة أن يعبر عنه إلا بنحو تلك العبارات فهو من الكناية, أو مجاز التمثيل, أو غيرهما, كما لا يخفى على من مارس فنون البلاغة وأساليب الفصاحة. وليس ذلك مشيرا لحلول ولا اتحاد باعتبار معناهما المتعارف بين أهل الظاهر, تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون: {عُلُوًّا كَبِيرًا} [الاسراء: 4] . وهذا ما يسره للعبد الضعيف الحقير؛ مع أني لم أر من تكلم على شيء منه وفوق كل ذي علم عليم, وإليه تعالى أتوسل بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبل علي ذيل ستره, وأن يمنحني من خزائن كرمه وجوده وفضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, وأن يعصمني من كل زلة وفتنة ومحنة إلى أن ألقاه وهو راض عني, وأن يكفيني ما أهمني وما لا أهتم له من أمور الدنيا والآخرة, إنه ولي ذلك والقادر عليه, لا رب غيره, ولا مأمول إلا خيره, لا إله إلا هو, عليه توكلت وإليه أنيب. ثم بلغني أن الحكيم الترمذي تكلم على شيء من ذلك وتطلبته فلم أره, فإن كان موافقا فذاك, وإلا فالمخالفة في ذلك لا تأثير لها؛ لأن حكم الموجودات متعددة لا نهاية لها, وإنما يمنح الله كل من ألهمه الكلام فيها بحسب استعداده وقوته, والحمد لله رب العالمين.

"وسئل"رضي الله عنه عمن اشتبه عليه الوقت يجوز أن يعتمد على صياح الديك المجرب, ويشكل عليه قول الرافعي لا يجوز اعتماد أذان المؤذن الثقة يوم الغيم مع أن هذا أولى من الديك, فما وجهه؟"فأجاب"بقوله: وجهه أن المؤذن المذكور مجتهد, والمجتهد لا يقلد مجتهدا, وليس هذا المعنى موجودا في مسألة الديك؛ لأن صياحه مجرد علامة, والمجتهد إنما هو السامع فجاز له اعتمادها كالورد ونحوه.

"وسئل"رضي الله عنه بما صورته: لمن اشتبه عليه الوقت الاجتهاد؛ وإن أمكنه اليقين بأن يخرج فيرى الشمس مثلا, وهو مشكل, فقد فرقوا بين جواز الاجتهاد في المياه وامتناعه في القبلة حيث قدر على اليقين في كل؛ بأن اليقين في القبلة حاصل في محل الاجتهاد, بخلافه في الماء فهلا امتنع الاجتهاد في الوقت أيضا كالقبلة لأن اليقين فيه أيضا في محل الاجتهاد"فأجاب"بقوله قد يفرق بين الاجتهاد في الوقت والاجتهاد في القبلة بأن الأمارات المحصلة للظن بدخول الوقت أقوى من أمارات القبلة؛ فكان الظن في الوقت أقوى, فألحق فيه باليقين لقوته ولم يلحق في القبلة باليقين لضعفه.

ج / 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت