فهرس الكتاب
ص -313- على الظن أن لولاه لم يكن الشك."فأجاب"بقوله: أما الضابط المذكور فأكثره لا يوافق كلام أئمتنا فلا يعول عليه وبيانه أن تخصيصه الوسواس والشك بالفرض دون النفل غير صحيح بل كل منهما يجري في كل من الفرض والنفل وأما تفسيره الوسواس بقوله: وكل ما غلب..إلخ فممنوع وكذا قوله وأما الوسواس فيجب تركه وذلك؛ لأن الوسواس إما مذموم وهو العمل بكل ما طرق الذهن أو يتخيله الوهم وهذا هو الذي أقام الأئمة النكير على فاعله وأكثروا من ذمه وتقبيح طريقه وذم ما هو عليه بل شبه بعضهم من هذه طريقته بقوم من كفار الهند المتغالين في كفرهم حتى أنكروا جميع الحقائق الموجودة المشاهدة بالحس وقالوا إنها كلها خيال وباطل وفرعوا على هذا المذهب من القبائح الشنيعة التي يبرأ عنها السمع ولا يقول بها عاقل ما إهماله أولى من تركه. فالموسوسون كهؤلاء؛ لأن الشخص منهم كما شاهدناه من غير واحد منهم يجعل يده أو بدنه داخل الماء ولا يزال يغمسها المرات الكثيرة التي تزيد على المائة حتى يتيقن ارتفاع حدثها بل قد يفعل ذلك وأكثر منه ولا يتيقن رفع حدث كما حكى لي بعض الثقات أن موسوسين أجنبا فخرجا إلى بحر النيل ليغتسلا فيه فوصلا إليه بعد الفجر فقال أحدهما للآخر انزل انغمس في الماء وأنا أعد لك وأخبرك هل عم الماء رأسك أو لا فنزل واستمر ينغمس وذلك يقول له بقي عليك شيء يسير من رأسك لم يعمه الماء فلا زال كذلك إلى قرب الظهر فتعب وطلع من الماء ولم يتيقن رفع جنابته ثم قال للآخر انزل وأنا أعد لك فنزل وفعل كما فعل الأول وهو يقول له كما قال له واستمر إلى قرب الغروب ولم يتيقن أيضا رفع جنابته فطلع ورجعا شاكين في بقاء جنابتهما وتركا صلاة ذلك اليوم فهذا يشبه طريقة الكفرة المذكورين واعتقادهم بل أقبح وأفحش وقد قوي الوسواس على بعض من أدركته حتى خرج من بين عياله وأولاده فارا على وجهه في البراري فلم يدر له الآن مكان ولم يسمع له خبر وبالجملة هو داء عضال قل من يقع في ورطته وينجو منها والجنون دونه بكثير فإنه ينحل البدن ويذهب العقل بل والإدراك والفهم ويصير المبتلى به كالبهيمة لا يهتدي لخير قط. ولا تصح له عبادة على مذهب أحد من الأئمة لاستيلاء الشيطان على فكره وجعله سخرية وهزءا يلعب به كيف أراد وقد شاهدت أيضا من له فطنة وذكاء وفهم دقيق في العلوم وجمال مفرط ابتلي به حتى انتحل وتغيرت صورته الآدمية وتوحش واعتزل الناس جملة ولم يصر له مأوى إلا بيوت الأخلية والماء الذي عندها فهذا هو الذي أنكره الأئمة وبالغوا فيه وهو حقيق بذلك وقد قال في المجموع من البدع المذمومة غسل الثوب الجديد. وقد قالوا يكره إمامة الموسوس. وأما محمود وهو الاحتياط للعبادة بأن لا يوقعها إلا على وجه متفق عليه وقد قال ابن عبد السلام ينبغي الورع في العبادات بشرط أن لا يجاوز طريقة السلف فقد كانوا يمشون حفاة ويصلون من غير غسل أرجلهم وقد أكل صلى الله عليه وسلم في أواني المجوس ولبس جبة من نسجهم وأحوال السلف في ذلك شهيرة لا تخفى على الموفق. وقد قال الشافعي رضي الله عنه وأحب أن يغسل حصى
ج / 1