فهرس الكتاب
ص -52- {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] الآية لا بالقياس على الخمر. وعلى هذا القول؛ فالنبيذ يسمى خمرا حقيقة فيشمله قول أصحابنا: تطهر الخمر بالتخلل؛ وإما بطريق القياس شرعا بناء على القول الآخر وهو: أن اللغة لا تثبت قياسا وعليه بعض أصحابنا كإمام الحرمين والغزالي والآمدي ونقله في المحصول عن أكثر أصحابنا وجمهور الحنفية؛ فعليه لا يسمى النبيذ خمرا وإن أعطي حكمها فلا يشمله قولهم: تطهر الخمر بالتخلل بل قياسا فعلم مما قررته. أن لفظ الخمر على الأول مشترك بين المسكر من ماء العنب والمسكر من غيره وعلى الثاني حقيقة في الأول مجاز في الثاني وفي استعمال المشترك بين معنييه خلاف في الأصول والأصح أنه يصح - لغة - إطلاقه على معنييه مثلا معا, بأن يرادا به من متكلم واحد في وقت واحد إن أمكن الجمع بينهما لكن ذلك مجاز؛ لأنه لم يوضع لهما معا, وعن الشافعي رضي الله عنه وغيره أنه حقيقة نظرا لوضعه لكل منهما قال الشافعي وهو ظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن المعينة لأحدهما, وفي استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه الخلاف في المشترك, فعلى الأصح يصح لغة مجازا أن يرادا معا باللفظ الواحد كما في قولك: رأيت الأسد وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع, وقول الباقلاني:"لا يجوز ذلك لما فيه من الجمع بين متنافيين حيث أريد باللفظ الموضوع له أي أولا, وغير الموضوع له معا مردود بأنه لا تنافي بين هذين, وقال بعضهم لم يمنع الباقلاني استعماله في حقيقته ومجازه وإنما منع حمله عليهما بغير قرينة قيل: وموضع الخلاف ما إذا ساوى المجاز الحقيقة لشهرته وإلا امتنع الحمل عليهما قطعا؛ لأن المجاز لا يعلم تناول اللفظ له إلا بتقييد, والحقيقة تعلم بالإطلاق ومحله أيضا حيث لم تقم قرينة بالحمل عليهما كما فعله الشافعي رضي الله عنه حيث حمل الملامسة في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] على الجس باليد والوطء. فعلم أنه يجوز الجمع بينهما بالحمل عليهما في لفظ باعتبار واحد وأنه لا محذور في ذلك خلافا لما يوهمه كلام السائل - نفع الله به - ثم ذكرته أولا من أن الخمر حقيقة هي المعتصر من ماء العنب والنبيذ هو المعتصر من غير ذلك هو ما حكاه الشيخان عن الأكثرين في الأشربة؛ لكن في تهذيب الأسماء واللغات عن الشافعي ومالك وأحمد وأهل الأثر رضي الله عنهم أن الخمر اسم لكل مسكر وعليه فلا يحتاج إلى التخريج السابق على أن اللغة تثبت قياسا أولا وعليه أيضا فليس هنا جمع بين حقيقة ومجاز وعلى كل فالمعتمد طهارة النبيذ بالتخلل كما بينته في شرح العباب وعبارته بعد قول العباب."وإلا الخمر وكذا النبيذ في المختار من المعتمد الذي صرح به الشيخان كالأصحاب في بابي الربا والسلم لإطباقهم على صحة السلم في خل التمر والزبيب المستلزمة طهارتهما, إذ النجس لا يصح بيعه ولا السلم فيه اتفاقا وعلى الصحة تارة والبطلان أخرى في مسألة الخلول العشرة الآتي بيانها في باب الربا. فعلم أنهم مصرحون بطهارة خل النبيذ بالتخلل, وأن ذلك هو المعتمد مذهبا ودليلا لا دليلا فحسب.
ج / 1