فهرس الكتاب
ص -32- لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ قَالَ بَلْ لَوْ قِيلَ لَا يُفْطِر بِالنَّزْعِ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَبْعُد تَنْزِيلًا لِإِيجَابِ الشَّرْع مَنْزِلَة الْإِكْرَاهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَطَأَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَث هَلْ مَا ذَكَره الزَّرْكَشِيُّ آخِرًا صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ مَا ذَكَره مُنَافٍ لِكَلَامِهِمْ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا قَاسَ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الْأَيْمَانِ وَالتَّعَالِيقِ عَلَى الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ حَيْثُ لَا لُغَةَ مُطَّرِدَةٌ فَالْحَالِفُ عَلَى الْوَطْءِ تَشْمَلُ يَمِينُهُ حَالَة الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَهَذَا مُقْتَضَى اللُّغَةِ لَكِنَّ الْعُرْفَ الْمُطَّرِدَ اقْتَضَى خُرُوجَ حَالَةِ الْحَيْضِ مِنْ الْيَمِينِ فَحَيْثُ تُرِك لِأَجْلِهِ لَا يَحْنَثُ عَمَلًا بِذَلِكَ وَلِعُذْرِهِ بِمَنْعِ الشَّارِعِ لَهُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَتَعَارَضَ فِيهَا وَاجِبَانِ مُرَاعَاةُ الصَّوْمِ وَهِيَ تَقْتَضِي الْبَقَاءَ وَمُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ وَهِيَ تَقْتَضِي النَّزْعَ. فَحَيْثُ رَاعَى الصَّلَاةَ فَقَدْ اخْتَارَ إبْطَالَ صَوْمِهِ, وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُرَاعَاةِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَبَطَل صَوْمُهُ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلْعُرْفِ فِيهِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا لَوْ طَرَأَ لَهُ مَرَضٌ وَخَافَ مِنْ الْهَلَاكِ لَوْ لَمْ يُفْطِر فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ وَيُفْطِرُ بِهِ, وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
وَسُئِلَ فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ نَوَى صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَة مَعَ فَرْضٍ أَوْ كَانَ نَحْوُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَنَوَى صَوْمَهُ عَنْ عَرَفَة وَكَوْنه يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَهَلْ تَحْصُل لَهُ سُنَّةُ صَوْمِهِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُهُمْ أَنَّ الْقَصْدَ إشْغَالُ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِصَوْمٍ كَمَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّحِيَّةِ إشْغَال الْبُقْعَةِ بِصَلَاةٍ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ نَوَاهُمَا حَصَلَا أَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا سَقَطَ طَلَبُ الْآخَرِ وَلَا يَحْصُلُ ثَوَابُهُ وَفَارَقَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَقْصُودُ وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَة النَّظَافَةُ فَقَطْ بِدَلِيلِ التَّيَمُّمِ لَهُ فَإِنْ قُلْت مُقْتَضَى حُصُول سُنَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ بِغُسْلِ الْعِيد إذَا اتَّحَدَ يَوْمُهُمَا أَنْ يُقَال بِمِثْلِهِ هُنَا قُلْت نَعَمْ وَقَدْ مَرَّ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِحُصُولِ مَا لَمْ يَنْوِ مِنْهُمَا سُقُوطَ الطَّلَبِ بِفِعْلِهِ لَا حُصُولَ ثَوَابِهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ لَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَان عَبِيدٌ أَوْ نِسَاءٌ أَوْ فَسَقَةٌ وَظَنَّ صِدْقَهُمْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الشَّكِّ فَيَحْرُم صَوْمُهُ إلَّا لِسَبَبٍ وَهَذَا يُنَافِيه قَوْلُ الْبَغَوِيِّ وَغَيْره لَوْ اعْتَقَدَ صِدْقَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذَكَر صَحَّ صَوْمُهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَيُنَافِيه أَيْضًا مَا قَالُوهُ مِنْ صِحَّة نِيَّةِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وَوُقُوعُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَان إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ فَمَا الْجَمْعُ بَيْن هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ إنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ عَدَم التَّنَافِي وَأَنَّهُ أُجِيب عَمَّا زَعَمَهُ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى فِيهَا نَظَرٌ وَأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَهَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَلَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْهَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي كَوْنِ الْيَوْمِ يَوْمَ شَكٍّ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ شَهِدُوا مِنْ نَحْوِ النِّسَاءِ يُظَنُّ صِدْقَهُمْ أَيْ مِنْ شَأْنِهِمْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى ظَانٍّ بِخُصُوصِهِ فَحَيْثُ كَانُوا كَذَلِكَ صَارَ الْيَوْمُ يَوْمَ شَكٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ النَّاسِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى كُلِّ فَرْد فَرْد بِالْخُصُوصِ فَمَنْ اعْتَقَدَ الصِّدْقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَمَنْ لَا حَرُمَ عَلَيْهِ وَلِأَجْلِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَمْ يَكْتَفِ بِصَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا فَاسِقٍ وَحْدَهُ بَلْ اشْتَرَطَ الْجَمْعَ مِنْ كُلٍّ لِيَصِيرَ ذَلِكَ
ج / 2