ص -51- فَالْكَفَّارَةُ وَلَا يَضُرُّ هَذَا التَّرَدُّدُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الضَّرُورَةِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الزَّكَاةِ لَوْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِب إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَعَنْ الْحَاضِرِ صَحَّ وَوَقَعَتْ عَنْ الْحَاضِرِ إنْ بَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا. قَالُوا وَلَا نَظَرَ لِلتَّرَدُّدِ فِي عَيْنِ الْمَالِ بَعْد الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ زَكَاةَ مَالِهِ وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَأْتِي فِي مَسْأَلَتِنَا فَيُقَال أَوَّلًا لَا نَظَرَ لِلتَّرَدُّدِ فِي عَيْنِ الصَّوْمِ وَبَعْدَ الْجَزْمِ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا وَاجِبًا عَلَيْهِ وَثَانِيًا لَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي الْقَضَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السُّؤَالِ إنْ بَانَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا وَقَعَ عَنْ الْفِدْيَةِ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْن هَذَا وَمَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ لِلتِّلَاوَةِ إنْ صَحَّ الْوُضُوءُ لَهَا وَإِلَّا فَلِلصَّلَاةِ فَإِنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ صِحَّةِ هَذِهِ النِّيَّةِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَبَيْن هَذَا, وَقَوْلِهِمْ لَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ إنْ دَخَلَ وَإِلَّا فَالْفَائِتُ لَمْ يَصِحَّ قُلْتُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَهُ أَنَّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَرَدَّدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَحْتَاجُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِنِيَّةٍ بِخِلَافِهِ فِي صُورَةِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ بَلْ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ لَهَا فَاشْتَمَلَ أَحَدُ جُزْأَيْ نِيَّتِهِ عَلَى نِيَّةٍ بَاطِلَةٍ فَلَغَتْ مِنْ أَصْلِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ هُنَا لِلتَّرَدُّدِ بِوَجْهٍ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا كَمَا مَرَّ, وَأَمَّا الثَّانِي فَالْفَرْقُ فِيهِ بِذَلِكَ أَيْضًا أَعْنِي عَدَمَ الضَّرُورَةِ وَبِأَنَّ الصَّلَاةَ يُحْتَاطُ لَهَا مَا لَا يُحْتَاطُ لِغَيْرِهَا. وَمِمَّا هُوَ صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرَتْهُ مِنْ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَنَوَى رَفْعَهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ صَحَّ وُضُوءُهُ, وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لِاسْتِنَادِهِ لِأَصْلِ بَقَاءِ الْحَدَثِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ وُضُوءَ احْتِيَاطٍ, وَإِنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا عِنْدَهُ لِمَنْعِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ, وَقَوْله وَإِلَّا فَتَجْدِيدُ تَصْرِيحٌ بِالْوَاقِعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا حَدَثَ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْن هَذَا وَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَبِتَأَمُّلِ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَسْأَلَةَ الصَّوْمِ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَرُورَةً حَقِيقِيَّةً وَهُنَا لَا ضَرُورَةَ لِأَنَّهُ يُمْكِنهُ أَنْ يُحْدِثَ فَيَرْتَفِعَ التَّرَدُّدُ فَإِذَا جَازَتْ نِيَّتُهُ تِلْكَ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِهِ التَّرَدُّدَ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ نَظِيرُهَا فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنهُ دَفْعُ التَّرَدُّدِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَعْلَم أَنَّ عَلَيْهِ أَحَدَ الصَّوْمَيْنِ وَلَا يُعْلَم عَيْنُهُ, وَإِذَا نَوَى ذَلِكَ تَأَدَّى بِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الْكَفَّارَةِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءً مَثَلًا فَنَوَاهُ إنْ كَانَ, وَإِلَّا فَتَطَوُّعٌ صَحَّتْ نِيَّتُهُ أَيْضًا وَحَصَلَ لَهُ الْقَضَاءُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ بَلْ, وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا حَصَلَ لَهُ التَّطَوُّعُ كَمَا يَحْصُل لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ وُضُوءُ التَّجْدِيدِ بِفَرْضِ أَنْ لَا حَدَثَ عَلَيْهِ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ ثَمَّ
وَاجِبٌ وَلَمْ يُؤَثِّر فِيهِ ذَلِكَ التَّرَدُّدُ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَثِّر فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمُرِيدِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ أَنْ يَنْوِيَ الْوَاجِبَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالتَّطَوُّع, لِيَحْصُلَ لَهُ مَا عَلَيْهِ إنْ كَانَ فَاتَ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُ الْمَجْمُوعِ لَوْ قَالَ أَصُومُ عَنْ الْقَضَاءِ أَوْ تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْقَضَاءِ قَطْعًا وَيَصِحُّ نَفْلًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ا هـ. قُلْت لَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ بِيَقِينِ فَلَا مُوجِبَ لِاغْتِفَارِ التَّرَدُّدِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ. فَإِنْ قُلْت لَوْ قَالَ آخِر شَعْبَانَ وَقَدْ ظَنَّ دُخُولَ رَمَضَانَ بِخَبَرِ نَحْوِ فَاسِقٍ نَوَيْتُ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ
ج / 2