فهرس الكتاب
ص -63- الثَّانِيَةِ وَهُوَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ نَوَاهُ فِي سَنَتِهِ, فَإِذَا لَزِمَهُ فِي تِلْكَ مَعَ سَبْقِ النِّيَّةِ بِسَنَتَيْنِ فَلَأَنْ يَلْزَمَهُ مَعَ سَبْقِ النِّيَّةِ بِدُونِ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى بَلْ صُورَةُ السُّؤَالِ غَيْرُ مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ إذْ ذَكَرَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ لِلتَّمْثِيلِ لَا لِلتَّقْيِيدِ فَالْمَدَار عَلَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ مَكَّةَ الَّذِي كَانَ قَاصِدُهُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَحِينَئِذٍ مَكَّةُ لَيْسَتْ مِيقَاتَهُ فَإِذَا لَمْ يُحْرِمْ بِهِ وَلَا بِمَا لَمْ يَخْلُفْهُ وَهُوَ الْعُمْرَةُ مِنْ الْمِيقَاتِ كَانَ فِي نُسُكِهِ نَقْصٌ أَيُّ نَقْصٍ فَلَزِمَهُ دَمٌ جَبْرًا لَهُ فَإِنْ قُلْت قَدْ يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ مُرِيدًا لِلْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَأَقَرَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ وَأَقَرَّهُمَا فِي الْكِفَايَةِ الْمُتَوَلِّي وَالْخُوَارِزْمِيِّ وَأَقَرَّهُمَا فِي الْمُهِمَّاتِ قَالَ وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ مَا يَدُلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ هَذِهِ السَّنَةِ لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ غَيْرِهَا وَبِهِ فَارَقَ الْعُمْرَةَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِيهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَأَقَّت بِوَقْتٍ. قُلْت لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ وَإِجْرَائِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّهُ هُنَا لَمَّا نَوَى عِنْدَ الْمِيقَاتِ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ فِيهَا بَلْ حَجَّ فِيمَا بَعْدَهَا كَانَ حَجُّهُ فِيمَا بَعْدَهَا غَيْرَ مَا نَوَاهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ إحْرَامَ سَنَةٍ لَا يَصْلُحُ لِإِحْرَامِ مَا بَعْدَهَا إذَا أَتَى بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَأَتَى بِمَا نَوَاهُ فِي سَنَتِهِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَجْمُوعِ نَوَاهُ فِي سَنَةٍ وَأَتَى بِهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مِيقَاتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّقْصُ فِيهِ فَجَبْرُهُ بِالدَّمِ وُجُوبًا كَمَا مَرَّ, وَقَوْلُ السَّائِلِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِمَا أَرَادَهُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ مِنْ حَيْثُ رِعَايَةُ حُرْمَةِ الْمِيقَاتِ وَهُوَ الْعُمْرَةُ أَوْ بِعَيْنِهِ بِأَنْ يَخْرُجَ عِنْدَ إرَادَةِ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ إلَى مِيقَاتِهِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ. فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مُقَصِّرًا وَمُدْخِلًا لِلنَّقْصِ عَلَى نُسُكِهِ فَلَزِمَهُ دَمٌ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِهِ بِالْإِحْرَامِ إلْزَامُهُ بِنُسُكٍ لَمْ يُرِدْهُ, وَقَوْلُهُ وَفَاتَهُ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ لَا يَمْنَعُ فَوَاتَ فَضِيلَةِ الْإِحْرَامِ إذَا أَتَى بِعُمْرَةِ أُخْرَى بَعْدَ حَجّه بَلْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَفْضَلُ صُوَرِ الْإِفْرَادِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُ السَّائِلِ وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِ الْأَصْحَابِ إلَخْ وَوَجْهُ انْدِفَاعِ مَا تَقَرَّرَ أَنْ تُقَدَّمَ الْعُمْرَةُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَمْنَعُ الْإِفْرَادَ, وَقَوْلُهُ فَلَوْ أَنَّهُ حَالَ مُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ بِالْأُولَى مِنْ الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَا نَظَرَ لِنِيَّةِ تَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَصْلًا إدْخَالُ النَّقْصِ عَلَى حَجِّهِ كَمَا مَرَّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَسُئِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَأَهْمَلَ بَعْضُهُمْ شَرْطًا خَامِسًا لِلْحَجِّ وَهُوَ سَعَةُ الْوَقْتِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ السَّيْرِ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْوَقْتِ هَلْ هُوَ مُدَّةُ السَّنَةِ بِأَنْ يَبْقَى مِنْهَا قَدْرُ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَيُشْكِلُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَوْقَ سَنَةٍ أَوْ فَوْقَ السَّنَةِ فَالْوَقْتُ وَاسِعٌ بَيِّنُوا لَنَا حَقِيقَةَ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبْقَى مِنْ الزَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ السَّيْرُ بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ أَنْ يَقْطَعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الزَّمَانِ وَلَا يَخْفَى الْإِشْكَالُ السَّابِقُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ يُعْتَبَر فِي لُزُومِ الْحَجِّ لَهُ
ج / 2