فهرس الكتاب
ص -64- لَا فِي اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَكَّنَ بِأَنْ يَجِدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَقَدْ بَقِيَ زَمَنٌ يَسَعُ الْوُصُولَ فِيهِ إلَى مَكَّةَ بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُ فِي يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَة. فَلَوْ كَانَ بَيْنَ بَلَدِهِ وَمَكَّةَ سَنَةٌ مَثَلًا اُشْتُرِطَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى نَحْوِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ تِلْكَ السَّنَة جَمِيعهَا فَمَتَى مَضَتْ لَهُ سَنَةِ بِأَنْ يَمْضِيَ مَا يُمْكِنُ ذَهَابُ الْحُجَّاجِ فِيهِ وَرُجُوعُهُمْ إلَى بَلَدِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا مَرَّ بِأَنَّ لُزُومَ الْحَجِّ لَهُ فَإِذَا مَاتَ أَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْحَجُّ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ اسْتَطَاعَهُ وَتَرَكَهُ وَمَتَى مَرِضَ أَوْ افْتَقَرَ قَبْلَ وُصُولِهِمْ لِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَ وُصُولِهِمْ وَقَبْلَ الْحَجِّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ وَكَذَا لَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ حَجِّهِمْ وَقَبْلَ وُصُولِهِمْ لِبَلَدِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الذَّهَابُ إلَى مَكَّةَ بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ وَإِدْرَاكُ الْحَجِّ فِيهَا وَوُصُولُهُ إلَى بَلَدِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَقْرِ دُونَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ بَانَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ الرُّجُوعِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ إمْكَانِ حَجِّ النَّاسِ وَقَبْلَ رُجُوعِهِمْ بَانَ أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ وَمَعَ هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا إشْكَالَ فِيمَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّا لَا نَعْتَبِرُ سَنَةً وَلَا دُونَهَا وَلَا أَكْثَرَ مِنْهَا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ الَّتِي يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ فِيهَا إلَى مَكَّةَ وَالرُّجُوعُ مِنْهَا بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا اُعْتُبِرَتْ قُدْرَتُهُ تِلْكَ الْأَرْبَعَةَ مَعَ الْعَوْدِ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْمَوْتِ أَوْ سَنَتَانِ اُعْتُبِرَتْ قُدْرَتُهُ مُدَّتَهُمَا مَعَ الْعَوْد كَمَا ذُكِرَ. وَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ نَحْوُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فِي الْوَقْتِ فَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ شَهْرَانِ مَثَلًا لَوْ اسْتَطَاعَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِطَاعَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى لَوْ اسْتَطَاعَ الشَّهْرَ مِنْ قَبْلِ أَشْهُرِهِ ثُمَّ افْتَقَرَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَسُئِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي امْرَأَةٍ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَكَانَتْ تَتَضَرَّرُ بِانْتِظَارِ انْقِطَاعِهِ لِتَطُوفَ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: مَنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَتَضَرَّرَتْ بِانْقِطَاعِهَا جَازَ لَهَا السَّفَرُ وَيَبْقَى لَهَا الطَّوَافُ فِي ذِمَّتِهَا مَا لَمْ تُقَلِّدْ أَبَا حَنِيفَةَ, وَإِذَا لَمْ تُقَلِّدْهُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى إحْرَامِهَا فَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ قُرْبَانُهَا إلَّا إذَا وَصَلَتْ إلَى مَسَافَةٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ فَلَهَا حِينَئِذٍ التَّحَلُّلُ كَتَحَلُّلِ الْمُحْصَرِ وَتُقَصِّرُ وَتَذْبَحُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا حِينَئِذٍ وَلِلْيَافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُنَا اعْتِرَاضٌ شَنِيعٌ عَلَى الْبَارِزِيِّ ادَّعَى فِيهِ أَنَّ الْبَارِزِيَّ خَالَفَ فِي تَجْوِيزِ السَّفَرِ بِلَا طَوَافٍ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَقَدْ رَدَدْت عَلَيْهِ اعْتِرَاضَهُ هَذَا فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ وَبَسَطْت فِيهَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَسْطًا شَافِيًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ هَلْ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ كَالْإِسْلَامِ؟ فَأَجَابَ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ يُكَفِّرُ مَا عَدَا تَبِعَاتِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَالْحَدِيثُ الْمُقْتَضِي لِتَكْفِيرِ التَّبِعَاتِ أَيْضًا ضَعِيفٌ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ بِقَضِيَّتِهِ وَهْمٌ وَتَكْفِيرُ ذَلِكَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ التَّوْبَةِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ مِنْ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا إلَّا فِي
ج / 2