فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 1843

ص -67- الْمَسْحِ وَالْحَالُ أَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ الْفَارِقِ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْفِعْلَيْنِ وَعَدَمِ الْقَرِينَةِ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْكُلِّ هُنَا بِخِلَافِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَيْثُ تَدُلُّ الْبَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ مَسْحَ الْكُلِّ كَمَا بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي مَحَلِّهِ فَكَيْفَ يُرَادُ الْبَعْضُ قِيَاسًا عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ هُنَا مِنْ إرَادَةِ حَلْقِ الْكُلِّ كَمَا هُوَ حَقُّ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَلَقْت رَأْسِي أَيْ حَلَقْت شَعْرَ رَأْسِي وَحَقِيقَتُهُ إزَالَةُ شَعْرِ كُلِّ الرَّأْسِ. وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ هُنَا مَجَازٌ حَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالُ أَزَالَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ أَزَالَ شَعْرَ رُبْعَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ وَالْآيَةُ الْمُسْتَدَلُّ بِهَا {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح:27] أَفْتُونَا جَزَاكُمْ اللَّهُ خَيْرًا وَلَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَلْقَ الْجَمِيعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ حَيْثُ قَالَ {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح:27] . يَعْنِي بَعْضُكُمْ مُحَلِّقِينَ وَبَعْضُكُمْ مُقَصِّرِينَ فَجَوَازُ التَّقْصِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ شَعْرِ الْكُلِّ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ إذْ التَّقْصِيرُ لَيْسَ إزَالَةَ الْكُلِّ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ إزَالَةُ الْجَمِيعِ فَصَارَ كَآيَةِ الْمَسْحِ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ وَهِيَ الْبَاءُ تَدُلُّ عَلَى عَدَم إرَادَةِ مَسْحِ الْجَمِيعِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَأَرَادَ الْحَنَفِيَّةُ الرُّبْعَ إذْ قَدْ يَكُونُ الرُّبْعُ قَائِمًا مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا ذَكَرُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَمِنْهَا فِي بَابِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّ حَلْقَ الرُّبْعِ يَقُومَ مَقَامَ الْكُلِّ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْآيَةِ اسْمٌ لِلْكُلِّ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ أَمْرٍ يَقُومُ مَقَامَهُ وَكَذَلِكَ النِّصْفُ وَأَكْثَرُ مِنْهُ لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ اقْتَضَى اعْتِبَارَ الرُّبْعِ وَلِهَذَا أَرَادُوا فِي بَابِ الْمَسْحِ الرُّبْعَ حَيْثُ نَظَرُوا إلَى نَفْسِ الْمَحِلِّ وَهُوَ الرَّأْسُ أَوْ أَرَادُوا مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ حَيْثُ نَظَرُوا إلَى أَنَّ الْمَحِلَّ هُنَا شَبِيه بِالْآلَةِ وَأَكْثَرُ آلَةِ الْمَسْحِ ثَلَاثُ أَصَابِعَ فَيَصِحُّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الْكُلِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ وَلَا يَخْفَى هَذَا عَلَى الْمُتَفَطِّنِ الْمُتَأَمِّلِ وَأَرَادَ الشَّافِعِيَّةُ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لَا أَقَلَّ مِنْهَا إذْ أَقَلُّ مِنْهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَلِهَذَا لَمْ يُثْبِتُوا عَلَيْهِ الْجِنَايَةَ. وَوَجْه إرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ فَإِزَالَةُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ جُزْءٌ مِنْ إزَالَةِ الْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ إزَالَةُ الرُّبْعِ أَوْ الْخُمُسِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ أَخَذُوا احْتِيَاطًا أَيْضًا مَا هُوَ أَقَلُّ مَرْتَبَةً فِي مَرَاتِبِ الِاحْتِمَالَاتِ فَيَصِحُّ إسْنَادُ إزَالَةِ شَعْرِ الرَّأْسِ إذَا أَزَالَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لِأَنَّ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ الْأُولَى فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَعَلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ الْمَجَازُ فِي النِّسْبَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ جَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ فِي الطَّرَفِ لَكِنْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي الطَّرَفِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ حَتَّى إنَّ بَعْضَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ اسْتَنْكَرَ الْمَجَازَ الْعَقْلِيَّ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِمَا صُورَتُهُ أَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ فَمَمْنُوعٌ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِوُجُوهٍ وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّ الْوَاجِبِ فِي الْحَلْقِ عِنْدَنَا ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا بُدَّ مِنْ مَسْحِ الْجَمِيعِ وَأَمَّا أَحْمَدُ فَالْوَاجِبُ فِي الْمَسْحِ عِنْدَهُ الْجَمِيعُ وَفِي الْحَلْقِ الْأَكْثَرُ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَمَشَى فِي الْبَابَيْنِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ وَلِخَفَاءِ

ج / 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت