فهرس الكتاب
ص -79- لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ فَرْقٌ وَاضِحٌ هُوَ مَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ التَّعَلُّقِ وَاللُّزُومِ جَعَلُوهُ وَاقِعًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مُسَارَعَةً لِبَرَاءَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ فَسَادُ النِّيَّةِ مُوجِبًا لِإِلْغَائِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ مُلْغِيًا لِخُصُوصِ النَّفْلِ فَحَسْبُ. وَيَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ ذَلِكَ وَحْدَهُ الْوُقُوعُ عَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَمَّا الْحَجُّ عَنْ الْغَيْرِ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَإِذَا فَسَدَتْ النِّيَّةُ فِيهِ لَزِمَ وُقُوعُهُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ عَنْ الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمُتَعَرِّضَةَ لَهُ قَدْ فَسَدَتْ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَهُ شَيْءٌ بِدُونِ نِيَّةٍ وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَجِيرَ لِلْحَجِّ مَثَلًا لَوْ نَوَاهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ انْصَرَفَا جَمِيعًا لِلْأَجِيرِ وَلَمْ يَقَعْ لِلْمُسْتَأْجِرِ مِنْهُمَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ الْحَجَّ لِلْعُمْرَةِ صَارَ نَاوِيًا مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ وَحَيْثُ نَوَى مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ انْقَلَبَ لِلْأَجِيرِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى أَجِيرٌ الْحَجَّ قِرَانًا فَقَطْ لِلْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ وَلِنَفْسِهِ أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لِمُسْتَأْجِرِهِ وَلِنَفْسِهِ فَيَقَعُ لِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يَقَعُ لِلْمُسْتَأْجِرِ شَيْءٌ لِأَنَّ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَهُ وَالنُّسُكَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ فَلَزِمَ الْوُقُوعُ لِلْأَجِيرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي مَا ذَكَرْته فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قَوْلُهُمْ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَعْضُوبٌ لِنَذْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَنَوَى الْأَجِيرُ النَّذْرَ وَقَعَ لِفَرْضِ الْإِسْلَامِ قُلْت أَجِيرُ الْمَعْضُوبِ نَائِبٌ عَنْهُ فَنَزَلَ مَنْزِلَتَهُ وَأَمَّا الْمُبَاشِرُ فِي صُورَةِ السُّؤْلِ فَلَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَطَوِّعٌ عَنْهُ وَقَدْ نَوَى مَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ لَهُ هُنَا بِوَجْهٍ فَإِنْ حَجَّ النَّفَلَ عَنْ الْمَيِّتِ الَّذِي عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَكَذَا لَا يَصِحُّ عَمَّنْ لَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إلَّا إنْ أَوْصَى بِهِ فَلَمَّا تَعَذَّرَ وُقُوعُ الْمَنْوِيِّ هُنَا عَنْ الْمَيِّتِ لَزِمَ وُقُوعُهُ لِلْمُتَطَوِّعِ وَلَمَّا لَمْ يَتَعَذَّرْ وُقُوعُ النَّذْرِ عَنْ الْمَعْضُوبِ مَعَ كَوْنِ الْحَاجِّ نَائِبُهُ وَقَعَ عَمَّا عَلَى الْمَعْضُوبِ وَهُوَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَأَيْضًا فَالنَّذْرُ مِنْ جِنْسِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ مَانِعَةً لِوُقُوعِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَأْجَرَهُ لِلنَّذْرِ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْوَاجِبِ الَّذِي عَلَيْهِ الصَّادِقِ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنُّذُورُ وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ مُقَدَّمَةٌ فَلَغَتْ نِيَّةَ النَّذْرِ وَوَقَعَ مَا أَتَى بِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَحَجَّةُ التَّطَوُّعِ فَمُتَبَايِنَتَانِ فَإِذَا نَوَى النَّفَلَ بَطَلَ وَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُخَلِّفَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لِتَعَذُّرِ وُقُوعِهِ لِلْمَيِّتِ فَوَقَعَ لِلْمُبَاشَرِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْحَجَّ شَدِيدُ التَّشَبُّثِ وَاللُّزُومِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَفْسُدْ بِفَسَادِ نِيَّتِهِ مَعَ تَطَلُّعِ الشَّارِعِ إلَى إسْقَاطِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْغَيْرِ مَا أَمْكَنَ فَمِنْ ثَمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ خُصُوصِ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ بُطْلَانَ عُمُومِ النِّيَّةِ عَنْ الْغَيْرِ فَلَزِمَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْوُقُوعُ عَنْ الْغَيْرِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ أَبَاحَ التَّبَرُّعَ بِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِذْنِ وَالْقَرَابَةِ إلْحَاقًا لَهُ بِالدُّيُونِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ فِي أَنَّ الْخَطَأَ فِي طَرِيقِ أَدَاءِ الدُّيُونِ لَا يَمْنَعُ إبْرَاءَهَا لِذِمَّةِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْخَطَأُ هُنَا. وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِيمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَجٍّ فَقَرَنَ وَنَحْوِهِ بِأَنَّ الْمُلْغَى هُنَا نِيَّةُ النُّسُكِ فَقَطْ دُونَ ذَاتِهِ وَهُنَاكَ جُزْؤُهُ لِأَنَّا إذَا أَوْقَعْنَاهُ عَنْ الْغَيْرِ يَلْزَمنَا إمَّا إبْطَالُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الَّتِي ضَمَّهَا إلَى الْحَجِّ مِنْ أَصْلِهَا وَهَذَا مُتَعَذَّرٌ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالنُّسُكِ فِي الْوَقْتِ الْقَابِلِ لَهُ لَا يَقْبَلُ الْإِلْغَاءَ وَأَمَّا وُقُوعُهَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ تَبَرُّعًا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا فَلَزِمَ وُقُوعُهُمَا لِلْمُبَاشِرِ وَأُلْغِيَ الْإِحْرَامُ
ج / 2