فهرس الكتاب
ص -87- وَسُئِلَ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا لَفْظُهُ قَالُوا: إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالُوا أَيْضًا إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ إذْ لَوْ فُرِضَ كَمَالُ الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ كَانَ ثَانِي رَبِيعٍ الْأَحَدِ فَكَيْفَ إذَا فُرِضَ نَقْصُهَا أَوْ نَقْصُ أَحَدِهَا فَهَلْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَفْرِضَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ رَأَوْا هِلَالَ الْحِجَّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ رَأَوْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاتَّفَقَا فِي هِلَالِ الْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَرَبِيعٍ فَقَوْلُهُمْ وَقَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِاعْتِبَارِ حِسَابِ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَوْلُهُمْ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ بِاعْتِبَارِ حِسَابِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَسُئِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ أَفْضَلُ مِنْ الذَّكَرِ غَيْرِ الْمَأْثُورِ وَالْمَأْثُورُ أَفْضَلُ مِنْهَا مَا الْمُرَادُ بِالْمَأْثُورِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا قِيلَ مَا أُثِرَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ لَكِنْ فِي كَوْنِ الْمَأْثُورِ عَنْ صَحَابِيٍّ مَثَلًا أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ لَمَّا كَانَ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ أَلِيقَ مِنْهُ بِالْقِرَاءَةِ وَلِذَا كَرِهَهَا بَعْضُهُمْ فِيهِ مُطْلَقًا قَدَّمُوا الْمَأْثُورَ وَلَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ عَلَيْهَا رِعَايَةً لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَصِحَّ سَنَدُهُ أَوْ لَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوع.
وَسُئِلَ نَفَّعَ اللَّه بِهِ عَمَّنْ نَذَرَ الْحَجّ مَاشِيًا فَرَكِّبْ لَزِمَهُ دَم مَعَ أَنَّهُ فَعَلَ الْأَفْضَل فَمَا وَجْه ذَلِكَ وَمَا الْمُرَاد بِالدَّمِ هُنَا وَلَمْ وَجَبَ مَعَ أَنَّ مُخَالِفَة الْمَنْذُور فِي غَيْر ذَلِكَ تَقْتَضِي الْإِثْم فَقَطْ وَهَلْ يَتَكَرَّر الدَّم بِتَكَرُّرِ الرُّكُوب قِيَاسًا عَلَى اللُّبْس فِي حَقّ الْمُحْرِم أَوْ يُفَرَّق؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ إنَّمَا لَزِمَهُ الدَّم وَإِنَّ فَعَلَ الْأَفْضَل لِأَنَّ الْمَشْي فِيهِ مَشَقَّة مَقْصُودَة لِلشَّارِعِ أَيْضًا فَوَجَبَتْ رِعَايَتهَا لِأَنَّ الْأَفْضَل خَلَا عَنْهَا بَلْ وَرَدَ فِي فَضْلهَا مَا اقْتَضَى ذَهَابَ كَثِيرٍ إلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ وَأَيْضًا فَأَفْضَلِيَّةُ الرُّكُوبِ لَيْسَتْ لِذَاتِهِ بَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّأَسِّي بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْحُضُورِ فِي الْأَذْكَارِ وَالْعِبَادَاتِ فَوَجَدَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَقْصُودٍ لَيْسَ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يُجَزِّئ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَإِذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ حَقَّ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ لَك الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ تُجْزِئهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ هُنَا اشْتَمَلَ عَلَى مَا فِي الْمَفْضُولِ وَزِيَادَةٍ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ وَالْمُرَادُ بِالدَّمِ هُنَا شَاةٌ. وَإِنَّمَا وَجَبَ الدَّمُ هُنَا مَعَ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ صِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنُّسُكِ فَاقْتَضَتْ مُخَالَفَتُهَا لُزُومَ الدَّمِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا رَكِبَ لِغَيْرِ عُذْرٍ تَكَرَّرَ الدَّمُ مُطْلَقًا أَوْ لِعُذْرٍ فَإِنْ اسْتَمَرَّ الْعُذْرُ لَمْ يَتَكَرَّرْ الدَّمُ بِتَكَرُّرِ الرُّكُوبِ وَإِنْ زَالَ ثُمَّ حَدَثَ عُذْرٌ آخَرُ تَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الْعُذْرِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي مَسْأَلَةِ اللُّبْس بِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ مُمْكِنَةٌ غَالِبًا فَلَا عُذْرَ فِي تَكَرُّرِهِ فَاقْتَضَى تَكَرُّرَ الدَّمَ بِشَرْطِهِ وَأَمَّا اسْتِدَامَةُ الرُّكُوبِ فَغَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَنَظَرْنَا لِلْعُذْرِ وَلَمْ نَنْظُرْ إلَيْهَا لِاسْتِحَالَتِهَا غَالِبًا.
ج / 2