فهرس الكتاب
ص -92- نَحْوِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَمَحَالُّ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَكُلُّ مَحَلٍّ عُلِمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَهُ أَوْ صَلَّى فِيهِ فَلَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَمَرِّ الدَّهْرِ فَيَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِتَحَرِّي نُزُولِهِ وَالتَّبَرُّكِ بِهِ كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحِكْمَةُ وُجُوبِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بَلْ وَأَنَّهُ الْحَجُّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَيْ مُعْظَمُهُ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَوَّاءَ وَتَعَارُفِهِمَا بِهَا أَوْ مِنْ تَعْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَنَاسِكَ بِهَا فَلِوُقُوعِ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ وُجُودِ هَذَا الْعُنْصُرِ الْإِنْسَانِيِّ أَوْ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ لِتِلْكَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ شَرَفِ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْخُرُوجَ مِنْ حَرَمِهِ وَأَمْنِهِ إلَى الْوُقُوفِ بِذَلِكَ الْبَابِ الْجَلِيلِ لِيَبْتَهِلُوا إلَيْهِ فِي إمْدَادِ أَشْبَاحِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ بِحَيَاتِهِ وَمَعَارِفِهِ الْأَزَلِيَّةِ الْأَبَدِيَّةِ الَّتِي مَا شُرِّفَ عُنْصُرُ الْإِنْسَانِ حَتَّى عَلَى عُنْصُرِ الْمَلَائِكَةِ إلَّا بِهَا فَلِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْمَوْهِبَةِ الْجَسِيمَةِ كَانَ الْوُقُوفُ بِمَحَلِّهَا أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ لِلْحَجِّ وَكَانَ كَأَنَّهُ كُلُّ الْحَجِّ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْحَجُّ عَرَفَةَ"فَيَنْبَغِي لِلْوَاقِفِ بِهَا أَنْ يَسْتَحْضِرَ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعَ وَذَلِكَ التَّعْرِيفَ لَعَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الِاجْتِمَاعُ الْأَكْبَرُ عَلَى رَبِّهِ الْمُسْتَلْزِمِ لَأَنْ يَمُدَّهُ بِعِظَمِ مَوَاهِبِهِ اللَّدُنِّيَّةِ وَمَعَارِفِهِ الْإِلَهِيَّةِ وَقُرْبِهِ الْأَقْدَسِ وَكَرْمِهِ الْأَنْفَسِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ قَائِلًا:"لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته صِرْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرَجُلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ". وَأَمَّا مَبِيتُ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَرَمْيُ الْجِمَارِ فَحِكْمَتُهَا إحْيَاءُ مَحَالِّ الْأَنْبِيَاءِ وَمَآثِرِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ ذَبْحَ وَلَدِهِ عِنْدَ مَحَلِّ الْجَمْرَةِ الْأُولَى ظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ اللَّعِينُ لِيُثْنِيَ عَزْمَهُ عَنْ ذَلِكَ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى غَابَ عَنْهُ ثُمَّ انْتَقَلَ إبْرَاهِيمُ إلَى مَحَلِّ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَبَرَزَ لَهُ اللَّعِينُ وَرَمَاهُ بِسَبْعٍ إلَى أَنْ غَابَ فِي الْأَرْضِ أَيْضًا ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَحَلِّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَبَرَزَ لَهُ فَرَمَاهُ بِسَبْعٍ حَتَّى غَابَ فِي الْأَرْضِ أَيْضًا كَمَا جَاءَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي حَدِيثٍ فَلِذَا وَجَبَ الرَّمْيَ إحْيَاءً لِتِلْكَ الْمَنْقَبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِأَبِينَا إبْرَاهِيمَ لِنَتَذَكَّرَهُ وَنُحْيِيَ مَعَالِمَهُ وَنَتَأَسَّى بِهِ فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ بِكُلِّ مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ بَرَزَ لَنَا لَحَصَبْنَاهُ كَمَا حَصَبَهُ أَبُونَا. وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ الرَّمْيِ أَنْ يَتَذَكَّرَ ذَلِكَ وَظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ حِكْمَةُ وُجُوبِ رَمْيِ الْحِجَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ أَنَّ ذَلِكَ تَعَبُّدٌ وَنَظِيرُهُ وُجُوبِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ إظْهَارًا لِتَعْظِيمِهِ وَلِإِحْيَاءِ شِعَارِ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ طَافُوا بِهِ أَلْفَيْ سَنَةٍ قَبْلَ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشِعَارُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا حَجَّ الْبَيْتَ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَثْنَى هُودًا وَصَالِحًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ. وَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ فَحِكْمَتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي مُلُوكِ الدُّنْيَا أَنَّهُ إذَا وَفَدَ عَلَيْهِمْ عَبِيدُهُمْ أَوْ عُصَاةُ عَبِيدهمْ يَكُونُونَ عَلَى غَايَة مِنْ الذِّلَّة وَالْخُضُوع وَالشُّعْثِ وَالْغَبَرَةِ رَجَاءً لِرِضَا سَادَاتِهِمْ إذَا رَأَوْهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ الَّذِي كُلُّ مَنْ رَأَى صَاحِبَهُ رَحِمَهُ فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَاصِدِي الدُّخُولِ إلَى حَضْرَتِهِ الْعُظْمَى الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ حَضَرَاتِ الدُّنْيَا إذْ اجْتِمَاعُ النَّاسِ بِعَرَفَةَ كَاجْتِمَاعِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ وَدُخُولُهُمْ إلَى حَرَمِهِ وَأَمْنِهِ كَدُخُولِهِمْ إلَى
ج / 2