فهرس الكتاب
ص -97- وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ مَكِّيٍّ خَرَجَ لِزِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَارَ ثُمَّ وَصَلَ ذَا الْحُلَيْفَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا لِأَنَّ مِنْ الْغَالِبِ أَنَّ الْمَكِّيَّ الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ فَكَانَ كَقَاصِدِ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ فِي مَوَاضِعَ حَيْثُ قَالَ إذَا حَجَّ وَاعْتَمَرَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ لَا تَتَكَرَّرُ كَزِيَارَةِ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ كَانَ مَكِّيًّا سَافَرَ فَأَرَادَ دُخُولَهَا عَائِدًا مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ دُونَ مَكَّةَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ ا هـ مُلَخَّصًا وَقَالَ أَيْضًا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مَرِيدًا حَجَّ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ وَأَحْرَمَ مِنْهَا فِيهَا فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَجْهَانِ أَوْ حَجَّ الْأُولَى فَحَجَّ الثَّانِيَةَ فَلَا دَمَ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ ا هـ. وَقَالَ أَيْضًا وَلَوْ مَرَّ مُسْلِمٌ بِالْمِيقَاتِ مَرِيدًا لِلْحَجِّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ الْوَجْهَانِ كَالْكَافِرِ ا هـ. وَالْمُرَجَّحُ فِي الْكَافِرِ لُزُومُ الدَّمِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأَرْجَحَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ فِي الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ لُزُومُ الدَّمِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي الْخِلَافِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهَا الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ لَكِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ مَرِيدًا نُسُكًا وَلَوْ فِي سَنَةٍ آتِيَةٌ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِنُسُكٍ مِنْ الْمِيقَاتِ إمَّا حَجٌّ إنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ أَوْ عُمْرَةٌ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ بِمَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّهُ بِإِرَادَتِهِ لِلنُّسُكِ الْآتِي عِنْدَ مُجَاوَزَةٍ الْمِيقَاتِ صَارَ قَاصِدًا الْحَرَمَ بِمَا وَضَعَ لَهُ فَلَزِمَهُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ حَرِيمَهُ وَهُوَ الْمِيقَاتُ إلَّا بِالتَّلَبُّسِ بِمَا نَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَبِنَظِيرِهِ رِعَايَةً لِتَعْظِيمِ الْحَرَمِ الَّذِي وَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِأَجْلِهِ مَا أَمْكَنَ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ قَدْ لَا يَفْعَلُ النُّسُكَ إلَّا فِي الَّذِي نَوَاهُ فَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ إذَا شَرَطَ لُزُومَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا قَصَدَهُ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ. وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْظُرُونَ لِلْمِيقَاتِ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلُزُومِ الدَّمِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِصْيَانِ بِالْمُجَاوَزَةِ فَلَا نَظَرَ إلَّا إلَى نِيَّتِهِ فَحَسْب كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَبِمَا تَقَرَّرَ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَجْمُوعَيْ عِبَارَتَيْ الْمَجْمُوعِ الْأَخِيرَتَيْنِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى فِي الْمَكِّيِّ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ النُّسُكَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ سَيَحُجُّ غَالِبًا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَكِّيِّ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ أَنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ قَاصِدًا نُسُكًا حَالًّا أَوْ مُسْتَقْبَلًا لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ بِذَلِكَ النُّسُكِ أَوْ بِنَظِيرِهِ وَإِلَّا أَثِمَ وَلَزِمَهُ الدَّمُ بِشَرْطِهِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ قَاصِدًا وَطَنَهُ أَوْ غَيْرَهُ وَلَمْ يَخْطِرْ لَهُ قَصْدُ مَكَّةَ لِنُسُكٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ الْحَجُّ وَهُوَ بِمَكَّةَ حَجَّ أَوْ أَنَّهُ رُبَّمَا خَطَرَتْ لَهُ الْعُمْرَةُ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَيَفْعَلُهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ قَاصِدًا الْحَرَمَ بِمَا وَضَعَ لَهُ مِنْ النُّسُكِ وَإِنَّمَا هُوَ قَاصِدُهُ لِأَمْرٍ آخَرَ وَاحْتِمَالُ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدُ لَا نَظَرَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصْدَهُ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ لِنُسُكٍ حَاضِرٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّهُ قَاصِدُهُ لِمَا وُضِعَ لَهُ فَلَزِمَهُ تَعْظِيمُهُ بِهِ أَوْ بِنَظِيرِهِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ الْإِحْرَامُ لِأَجْلِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ فِيهِ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ مَا ذَكَرْته لَك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلَقَدْ زَلَّ فِيهِ نَظَرُ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَجْمُوعِ الَّتِي ذَكَرْتهَا فَأَفْتَى بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ.
ج / 2