فهرس الكتاب
ص -103- ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِمَّا لَا يَخْفَى وَإِذَا تَحَمَّلَ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ نَحْوِ كَيْسِ اللِّحْيَةِ وَلَفِّ شَيْءٌ عَلَى السَّاقِ وَالْيَدِ وَرَبْطِهِ مِنْ كُلِّ مَا أَحَاطَ بِالْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ السَّتْرِ عُرْفًا عَلَى الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ عَدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ حِينَ سئل: عَمَّا يَلْبَسُ. وَأَمْثِلَتُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ دُونَ الْبَاطِنَةِ كَاللِّسَانِ وَالذَّكَرِ بَلْ لِإِزَالَةِ مَا كَانَ دَاخِلَ الْعَيْنِ كَمَا مَرَّ وَلِأَنَّ الشُّعُوثَةَ وَالْغَبَرَةَ الْمَقْصُودُ بِهِمَا تَرْكُ التَّرَفُّهِ الْمُسْتَفَادِ ذَلِكَ مِنْ قوله صلى الله عليه وسلم:"الْمُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ"إنَّمَا يُلَاقِيَانِ الظَّاهِرَ فَكَانَ التَّرَفُّهُ مِنْ حَيْثُ اللِّبَاسُ خَاصًّا بِهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِذَلِكَ فَحَسْبُنَا جَهْلُ السَّائِلِ بِحُكْمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ بِدَلِيلِ اسْتِفْتَائِهِ هَذِهِ عِبَارَةُ الْمُفْتِي الْمَذْكُورَةِ إفَادَةً مُسَايِرَةً لِجَوَابِهِ عَنْ جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهُ مِنْ الْجَوَابِ لَفْظَةٌ. فَأَجَابَ أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ مَدَدِهِ بِقَوْلِهِ لَا فَدِيَةَ عَلَيْهِ بِالشَّدِّ الْمَذْكُورِ لِأُمُورٍ مِنْهَا قَوْلُهُمْ كُلُّ مَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ فِيهِ الْفِدْيَةِ إلَّا نَحْوَ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَوِقَايَةُ الرِّجْلِ مِنْ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهِمَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَخُفِّفَ فِيهَا ا هـ. وَمِنْهَا قَوْلِي فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ لَوْ لَبِسَ عِمَامَةً لِضَرُورَةٍ وَاحْتَاجَ لِكَشْفِ كُلِّ رَأْسِهِ لِلْغُسْلِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ لِبَعْضِهِ لِنَحْوِ مَسْحِهِ فِي الْوُضُوءِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْفِدْيَةَ لَا تَتَعَدَّدُ بِذَلِكَ وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ فَقَدَ الْإِزَارَ جَازَ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُبَاشَرَةِ الْجَائِزِ نَفْيُ الضَّمَانِ. وَأَيْضًا فَإِيجَابُ الْكَشْفِ عَلَيْهِ يُصَيِّرُهُ مُكْرَهًا عَلَيْهِ شَرْعًا وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ هُنَا حِسًّا عَلَى الْكَشْفِ لَا يَتَعَدَّدُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ شَرْعًا فَإِنْ قُلْت قَدْ جَوَّزُوا لَهُ اللُّبْسَ لِنَحْوِ حَرٍّ وَمَرَضٍ مَعَ الدَّمِ قُلْت ذَاكَ فِيهِ تَرَفُّهٌ وَحَظٌّ لِلنَّفْسِ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ صِحَّةُ عِبَادَتِهِ فَهُوَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالسَّرَاوِيلِ أَشْبَهُ ا هـ وَهَذَا كُلُّهُ يَأْتِي فِي صُورَةِ شَدِّ السَّلَسِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَمِنْهَا قَوْلُ الْمَجْمُوعِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ جِرَاحَةٌ فَشَدَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً فَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ فَلَا فَدِيَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الرَّأْسِ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ ا هـ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْمُرَادُ بِالشَّدِّ هُنَا هُوَ مُجَرَّدُ اللَّفِّ لَا الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الشَّدِّ الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ شَدِّ الْهِمْيَانِ وَالْخَيْطِ عَلَى الْإِزَارِ ا هـ وَفِي حَاشِيَتِي لِلْإِيضَاحِ عَقِبَ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلْعَقْدِ لِلِاسْتِمْسَاكِ عَلَى الْجِرَاحَةِ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ جَوَازُ الْعَقْدِ أَيْضًا لَكِنْ مَعَ الْفِدْيَةِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْعَقْدِ عَقْدُ
الْخِرْقَةِ نَفْسِهَا أَمَّا لَوْ شَدَّ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ الرَّأْسِ خَيْطًا وَرَبَطَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى عَقْدًا فَلَا يَحْرُمُ وَلَا فَدِيَةَ فِيهِ ا هـ وَبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّدِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ عَقْدُ الْخِرْقَةِ الْمُتَعَيِّنُ لِدَفْعِ النَّجَاسَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ خَيْطًا يَشُدُّهُ عَلَيْهَا أَمَّا لَوْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ دَفْعَ النَّجَاسَةِ مُمْكِنٌ بِشَدِّ الْخَيْطِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقْدِ أَنَّ الْعَقْدَ يُصَيِّرُ الْمَعْقُودَ مُسْتَمْسِكًا بِنَفْسِهِ فَوَجَدَ فِيهِ حَقِيقَةَ الْإِحَاطَةِ الْمُمْتَنِعَةَ وَلَا كَذَلِكَ الْمَشْدُودُ عَلَيْهِ خَيْطٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمْسِكٍ بِنَفْسِهِ فَلَا يُسَمَّى مَخِيطًا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَقُّ
ج / 2