فهرس الكتاب
ص -107- أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ حَتَّى مِنْ الْعُمْرَةِ وَقِيلَ الْعُمْرَةُ أَفْضَلُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي تَأْلِيفٍ لَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ وَأَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَيْهِ مُخَالِفَةُ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَكْرَارُهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ بَعْدَهُ بَلْ كَرِهَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَكْرَارَهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الطَّوَافِ
ا هـ. كَلَامُهُ وَنُقِلَ عَنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ
أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ أَمْ لَا. وَنُقِلَ عَنْ عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ أَجْمَعَ لِهَمِّهِ وَأَصْلَحَ لَهُ هَلْ يَمْشِي هَذَا عَلَى كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَمْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ مُعَامَلَاتِ الْقُلُوبِ؟ فَأَجَابَ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ نَقَلْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَفْضَلِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِالطَّوَافِ ثُمَّ رَدَدْته بِمَا هُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى تَمَايُزِ الْعِبَادَاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِمَا وَرَدَ فِي ثَوَابِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ثَوَابِ هَذِهِ الْجِلْسَةِ مِنْ الثَّوَابِ مَا لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِي الطَّوَافِ بَلْ لَك أَنْ تَقُولَ إنَّ قوله صلى الله عليه وسلم:"لَهُ ثَوَابُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ"فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى خُصُوصِ الطَّوَافِ لِأَنَّهَا إذَا سَاوَتْ الْحَجَّةَ وَالْعُمْرَةَ التَّامَّتَيْنِ. الطَّوَافُ بَعْضُ أَجْزَائِهِمَا لَزِمَ زِيَادَتُهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَإِنَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ قَطْعُ الصَّلَاةِ فِيمَا ذُكِرَ أَوَّلًا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَ الِاسْتِمْرَارَ فِيهَا وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ وَثَانِيًا لِفَوَاتِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْلِهَا وَالطَّوَافُ هُنَا لَا يَفُوتُ لِإِمْكَانِ فِعْلِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ حِينَئِذٍ فِيهِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَنُدِبَ قَطْعُهُ كَالسَّعْيِ لِلْجَمَاعَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَيْضًا أَعْنِي بَقَاءَ تَدَارُكِهِمَا بِخِلَافِهَا وَكَذَا يُقَالُ فِي طَوَافِ النَّفْلِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ إلَخْ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْته بِفَرْضِ تَسْلِيمِهِ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي التَّفْضِيلِ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لَا بِاعْتِبَارِ الْإِفْرَادِ. أَلَا تَرَى إلَى تَفْضِيلِهِمْ الصَّلَاةَ عَلَى الصَّوْمِ ثُمَّ قَالُوا الْمُرَادُ الْجِنْسُ فَلَا يُقَالُ أَنَّ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ فَكَذَا هُنَا سَلَّمْنَا أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِمَّا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لَا لِخُصُوصِ هَذَا الْفَرْدِ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْجِلْسَةِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ وَحَبْسِهَا عَلَيْهَا مَا لَا يُوجَدُ فِي الطَّوَافِ غَالِبًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَزَعَمَ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْعُمْرَةِ مَرْدُودٌ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ كَيْفَ وَهِيَ لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضًا بِخِلَافِهِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَغَيْرِهِ وَعَدَمُ نَقْلِ تُكَرِّرْهَا لَا يُنَاسَبُ قَوَاعِدَنَا فَاسْتِدْلَالُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ بِهِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. وَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَجْمُوعِ لَمْ يَحْضُرْنِي الْآنَ لَكِنَّ وَجْهَهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ مَخْصُوصٍ يَكُونُ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْقِرَاءَةِ وَمَا نُقِلَ عَنْ عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ اخْتِيَارٌ لَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ خِلَافُهُ فَيَلْزَمُ مَوْضِعَهُ ثُمَّ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الْحُضُورَ وَالْإِخْلَاصَ مَا أَمْكَنَهُ لِأَنَّ هَذَا أَشُقُّ عَلَيْهَا مِنْ الِانْتِقَالِ وَالْمَدَارُ فِي تَهْذِيبِ أَخْلَاقِهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى تَجْرِيعِهَا مَرَارَةَ الصَّبْرِ عَلَى أَنْ تَأْتِي بِالْمَأْمُورَاتِ عَلَى وَجْهِهَا مَا أَمْكَنَهَا وَحَاصِلُ مَا مَرَّ أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَ إجْمَاعَهُمْ عَلَى طَلَبِ هَذِهِ الْجِلْسَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي طَلَبِ الطَّوَافِ
ج / 2