فهرس الكتاب
ص -108- بَعْدَ الصُّبْحِ عَلِمَ أَفْضَلِيَّتَهَا عَلَيْهِ وَأَنَّ قَطْعَ النَّظَرِ عَمَّا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا يَشْهَدُ لِفَضْلِهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَرْمَى فِي الْجِمَارِ الثَّلَاثِ هَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْأَعْلَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَنْصُوبَةِ مِنْ جِهَاتِهَا الْأَرْبَعِ حَتَّى يُجْزِئَ الرَّمْيُ فِيهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلرَّامِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَجْعَلَ الْجَمْرَةَ عَنْ يَمِينِهِ أَمْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ الْجَادَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُحَقَّقُ إذْ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا عَدَاهُ مَظْنُونٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الشَّاخِصِ مَوْضُوعًا فِي مُنْتَهَى الْمَرْمَى مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ لَا فِي وَسَطِهِ حَتَّى يُجْزِئُ الرَّمْيُ فِيمَا إذَا اسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ مَثَلًا أَمْ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَيَكُونُ فِيهِمَا مُحِيطًا بِالشَّاخِصَيْنِ وَفِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ خَاصًّا بِجِهَةِ الْجَادَّةِ وَهَلْ ضَبْطُ الْمَرْمَى بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجَمَالُ الطَّبَرِيُّ مُعْتَمَدٌ أَمْ يُرْجَعُ فِي تَحْدِيدِهِ إلَى الْعُرْفِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْجَمْرَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ فَهِيَ لَيْسَ لَهَا إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ مَا بِأَسْفَلِهَا عَلَى الْجَادَّةِ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهَا وَأَمَّا الْجَمْرَتَانِ الْآخِرَتَانِ فَيُرْمَى إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ كَمَا يُومِئُ إلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ الْجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الْحَصَى لَا مَا سَالَ مِنْهُ فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمِعَهُ أَجُزْأَهُ أَوْ سَائِلَهُ فَلَا وَالْمُرَادُ مُجْتَمِعُهُ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَا حُوِّلَ عَنْهُ وَلَوْ نَحَّاهُ مِنْ مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ وَرَمَى إلَى نَفْسِ الْأَرْضِ أَجُزْأَهُ لِأَنَّهُ رَمَى فِي مَوْضِع الرَّمْيِ انْتَهَتْ مُلَخَّصَةً وَعِبَارَةُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ عَنْ النَّصِّ أَيْضًا. وَالْعِبْرَةُ بِمُجْتَمِعِ الْحَصَى لَا مَا سَالَ عَنْهُ وَلَا الشَّاخِصِ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْمَرْمَى حَدًّا مَعْلُومًا غَيْرَ أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ عَلَيْهَا عَلَمٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ تَحْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يُبْعِدُ عَنْهُ احْتِيَاطًا ا هـ. وَحَدَّ الْجَمَالُ الطَّبَرِيُّ مُجْتَمَعَ الْحَصَى بِأَنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِ الْجَمْرَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَقَطْ وَهُوَ مِنْ تَفَقُّهِهِ وَكَأَنَّهُ قَرَّبَ بِهِ مُجْتَمِعَ الْحَصَى غَيْرَ السَّائِلِ وَالْمُشَاهَدَةُ تُؤَيِّدُهُ فَإِنَّ مُجْتَمِعَهُ غَالِبًا لَا يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ فَعَدَمُ تَخْصِيصِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابِ مُجْتَمِعَ الْحَصَى الْمَذْكُورِ بِجِهَةٍ مَعَ تَخْصِيصِهِمْ لَهُ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بِمَا بِأَسْفَلِ الْوَادِي صَرِيحٌ فِي تَعْمِيمِ جِهَاتِ الْأَوَّلِينَ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ أَعْنِي الْجَمَالَ لَا يُشْتَرَط لِصِحَّةِ الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ الرَّامِي فِي مَكَان مَخْصُوصٍ أَيْ جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْأَوَّلِينَ وَأَسْفَلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلرَّامِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إلَخْ إذْ صَرِيحُهُ جَوَازُ مَا عَدَا ذَلِكَ الِاسْتِقْبَالِ الشَّامِلِ لِلرَّمْيِ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ.ثُمَّ تَحْدِيدُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى زَمَانِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْمَرْمَى بِمُجْتَمِعِ الْحَصَى صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُجْمِعَ الْحَصَى الْمَعْهُودِ الْآنَ بِسَائِرِ جَوَانِبِ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَتَحْتَ شَاخِصِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ حَتَّى يُعْرَفَ خِلَافُهُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ السَّائِلِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُحَقَّقُ إلَخْ وَكَوْنُ الْجَمْرَةِ كَانَتْ عَلَى نَحْوِهِ
ج / 2