فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 1843

ص -109- لَا يُنْتِجُ لَهُ هَذِهِ الدُّعَى كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى آثَارَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَالِمَ دِينِهِ أَنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهَا تَغْيِيرٌ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَهُوَ إمَامُ النَّاسِ وَقُدْوَتُهُمْ فِي أَمْكِنَةِ الْمَنَاسِكِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَكَانَتْ الْجَمْرَةُ أَيْ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ زَائِلَةً عَنْ مَحَلِّهَا أَزَالَهَا جُهَّالُ النَّاسِ بِرَمْيِهِمْ الْحَصَى وَغُفِلَ عَنْهَا حَتَّى ارْتَخَتْ مِنْ مَوْضِعِهَا شَيْء يَسِيرًا مِنْهَا وَمِنْ فَوْقِهَا فَرَدَّهَا بَعْضُ رُسُلِ الْمُتَوَكِّلِ الْعَبَّاسِيِّ إلَى مَوْضِعِهَا الَّتِي لَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ وَبَنَى مِنْ وَرَائِهَا جِدَارًا أَعْلَاهُ عَلَمُهَا وَمَسْجِدًا مُتَّصِلًا بِذَلِكَ الْجِدَارِ لِئَلَّا يَصِلَ إلَيْهَا مَنْ يُرِيدُ الرَّمْيَ مِنْ أَعْلَاهَا ا هـ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ إطْبَاقَ النَّاسِ عَلَى الرَّمْيِ إلَى الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَعَدَمُ تَعَرُّضِ الْمُلُوكِ لِمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِمَّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.

وَسُئِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا حُكْمُ أَهْلِ مِنًى لَوْ أَرَادُوا النَّفَرَ الْأَوَّلَ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُمْ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا؟ فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ أَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ إلَّا إنْ فَارَقُوا مِنًى بِنِيَّةِ عَدَمِ الْعَوْدِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى زَوَالِ الثَّالِثِ فَمَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ وَمَنْ لَا لَزِمَهُ الْمَبِيتُ وَرَمَى الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَعْنَى يُفَارِقُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ هُوَ أَنَّهُمْ مُتَوَطِّنُونَ فَلَا يُسْقِطُ كَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ مِنًى خُرُوجَهُمْ وَلَوْ بِنِيَّةِ ذَلِكَ فَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُمْ لَا يُقَالُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ بِمُفَارِقَتِهِمْ مِنًى انْقَطَعَتْ عَنْهُمْ الْعَلَائِقُ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ تَعْلِيلًا لِلسُّقُوطِ قُلْت هَذَا وَاضِحُ الْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ سُكُوتَهُمْ عَنْ اسْتِثْنَائِهِمْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِمْ وَيُوَجَّهُ عَلَى مَا فِيهِ بِأَنَّ التَّوَطُّنَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ اعْتِبَارِ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ الْمَبِيتُ بِالْفِعْلِ وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهِمْ مُتَوَطِّنِينَ الَّذِي لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ نَاظِرٌ لَقَالَ الْمَبِيتُ لِأَنَّ تَوَطُّنَهُمْ يُحَصِّلُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ مِنْ وُجُوبِ الْمَبِيتِ عَلَى غَيْرِهِمْ لَكَانَ لَهُ وَجْهُ عَدَمِ اعْتِبَارِ التَّوَطُّنِ مَا أَشَرْت إلَيْهِ أَنَّهُ أَمْرٌ خَارِجٌ حُكْمِيٌّ مُسْتَحَبٌّ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَنَاسِكِ مُبَاشَرَةُ الْحَجِّ وَإِحْرَامُهُ وَوَاجِبَاتُهُ بِالْفِعْلِ فَلَا يُغْنِي عَنْهُ غَيْرُهُ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْمَبِيتُ عَلَيْهِمْ مَعَ تَوَطُّنِهِمْ وَكَذَلِكَ رَمْيُ الثَّالِثِ وَمَبِيتُهُ حَيْثُ لَا نَفْرَ وَسَقَطَ عَنْهُمْ النَّفْرُ كَغَيْرِهِمْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّا وَقَعَ فِي مَوْسِمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ صَاحِبِ مَكَّةَ وَأَمِيرِ الْحَاجِّ مِنْ فِتْنَةٍ اقْتَضَتْ خَوْفَ النَّاسِ كُلِّهِمْ مِنْ أَعْرَابِ الْبَوَادِي وَغَيْرِهِمْ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إنْ أَقَامُوا بِمِنًى لِلْمَبِيتِ أَوْ الرَّمْيِ ثُمَّ تَزَايَدَتْ وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ إلَى أَنْ رَحَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ مِنًى وَتَرَكُوا الْمَبِيتَ وَرَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَتَعَذَّرَتْ الِاسْتِنَابَةُ وَلَمْ يَبْقَ بِهَا إلَّا الْمُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَكَثُرَ سُؤَالُ النَّاسِ عَنْ حُكْمِ تَرْكِهِمْ لِهَذَيْنِ فَمَا حُكْمُ اللَّهُ فِيهِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ أَمَّا تَرْكُ الْمَبِيتِ فَسُقُوطُهُ وَعَدَمُ الدَّمِ فِيهِ وَاضِحٌ وَإِنَّمَا الْمُشْكِلُ حُكْمُ الرَّمْيِ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِيهِ وَلَوْ مَعَ هَذَا الْعُذْرِ الْعَامِّ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ كَتَرْكِ

ج / 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت