فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 1843

ص -62- لولا ما عارض ذلك من أن بقاء النجاسة على المصحف فيه ازدراء, وعدم القيام باحترامه فاقتضت رعاية ذلك وجوب تطهيره وإن أدى إلى محوه وبطلان ماليته, وغاية ما في الباب أنه تعارض معنا حق آدمي وهو النظر؛ لبقاء المالية وحق الله تعالى وهو تعظيم المصحف وإزالة ما ينافي تعظيمه, فتقديمنا هذا الثاني على خلاف الأصل من تقديم حق الآدمي على حق الله تعالى؛ لأن الخطر في بقاء النجاسة هنا أعظم من خطر فوات المالية على أن فواتها لأجل تعظيم ما أمرنا به من تعظيم المصحف لا خطر فيه ألا ترى أن قن اليتيم يجب قتله بنحو ترك الصلاة تقديما لحق الله تعالى على حق الآدمي, وكذلك القن الموقوف فعلمنا أن حقوق الله تعالى التي لا بدل لها ولا تستدرك مفسدتها تقدم على حقوق الآدمي, وبهذا ظهر ما قلناه واتضح ما حررناه والله أعلم.

"وسئل"- نفع الله به - عن الخمر إذا تخللت هل يقال انقلبت عينها أم لا؟ كما قال بكل قائل."فأجاب"- رضي الله عنه - بقوله: إن أريد بانقلابها مع التخلل أن جسمها عاد بعينه جسما آخر هو الخل فهو محال؛ لأن الجسم لا يصير جسما آخر, كما أن الجوهر لا يصير جوهرا آخر, وكما لا يرجع الجوهر عرضا وعكسه, بل ولا العرض عرضا آخر كالبياض سوادا أو عكسه, بل ولا البياض بياضا آخر فإذا صار ثوب أبيض أسود لم ينقلب البياض سوادا, لكن أعدم الله البياض وأخلف مكانه سوادا بقدرته, وكذا سائر الصفات. وإن أريد بذلك أن جسم الخمر انعدم وخلف الخل مكانه بغير فصل فهو غير معلوم, وإن جاز في القدرة إذ ليس كل جائز فيها واقعا إلا أن يعلم بالحس أو بخبر الصادق ألا ترى أن إعدام الخمر وإخلاف مكانه الخل جائز في القدرة, لكن لما لم يرد به نص وجب تكذيب مدعيه وكذلك يجوز أن يخلق الله تعالى بحضرتنا خلقا ولا يخلق لنا إدراكا له ولو ادعاه مدع لم نصدقه, بل لا نشك في كذبه إذا تقرر ذلك علم أن جنس الخمر بعد التخلل هو الخمر بعينه لا شك فيه, ولو جاز الشك فيه لشك الإنسان في نفسه إذا تغيرت حاله من صحة لمرض وعكسه هل هو أو غيره؟ وهذا لا يمكن ضرورة عاقلا أن يتوهمه وكذا الخمر, وإن العلم بكون صفات الخل الواردة عليه غير صفات الخمر الموجود قبل التخلل فقدت وأخلفتها صفة الخل ضروري, ولا يشك في هذا إلا معاند أو مخذول فذات الخمر باقية وهو جسمها, وصفاتها معدومة وأخلفتها صفات الخل واسم الخمر لا يطلق على ذاتها دون صفاتها ولا عكسه بل على مجموعها فإطلاق الانقلاب عليها إذا تخللت تجوز في العبارة إذ هو حقيقة الانتقال من مكان إلى مكان قال الله تعالى: {وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا} [المطففين: 31] الآية فانقلبوا بنعمة من الله: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] . وفي حديث صفية ثم قامت تنقلب فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها وفي حديث عثمان حين عاتبه عمر رضي الله عنهما لما تخلف عن حضور الجمعة إلى أن طلع عمر المنبر انقلبت من السوق, فسمعت النداء ومن ذلك أيضا قلبت الإناء لأن ما فيه انتقل من فوق إلى أسفل وإذا تقرر.

ج / 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت