ص -329- أَحَدٌ فَإِنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي صُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ لَهُمْ بِالدَّيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا أُخِذَتْ الْأَمْوَالُ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا أَوْ أُخِذَتْ بِحَقِّهَا وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى صَارِفِهَا وَآخِذِهَا سَوَاءٌ عَلِمَا أَمْ جَهِلَا فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَلَا تَبَرُّعُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَا مَا أَوْصَى بِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ وَرَثَتِهِ فِي تَرِكَتِهِ حَتَّى يَقْضِيَ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَصْرِفَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَإِنْ أَخَذَهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ لِيَصْرِفَهُ إلَى مُسْتَحَقِّهِ بَرِيءَ بِقَبْضِ الْإِمَامِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ضَمَانِ الْمُكُوسِ وَالْخَمْرِ وَالْبَغَايَا وَكُلِّ جِهَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَجَمِيعِ مَا يُحْدِثُهُ الظَّلَمَةُ مِنْ الْمَظَالِمِ ا هـ. جَوَابُهُ وَقَدْ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ وَفِيهِ أُمُورٌ أَحَدُهَا مَا أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَهُوَ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْ الْجَوَابِ قَيْدًا ذَكَرَهُ فِي التَّأْلِيفِ وَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَرْجُو لِدَيْنِهِ وَفَاءً وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُفْتِي الْجَوَابَ عَنْ الْقُيُودِ أَيْ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِخُصُوصِهِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ لَا مُطْلَقًا لِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ خَطَأٌ مِنْهُ وَلَك أَنْ تُجِيبَ عَنْ هَذَا أَنَّا نَبْحَثُ أَوَّلًا عَنْ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً لِيَظْهَرَ صِحَّةُ حَذْفِهِ أَوْ عَدَمُهَا وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الِاقْتِرَاضِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْهَا حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ ثُمَّ رَأَيْت شَرْحَ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فَمَنْ لَهُ ذَلِكَ لَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حَيْثُ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ عَبَّرَ بِالْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً وَمَنْ عَبَّرَ بِالْمُفْلِسِ مُؤَدَّى عِبَارَتِهِمَا وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ مَدْلُولُهُمَا وَاحِدٌ اصْطِلَاحًا وَهَذَا أَعْنِي مَنْ لَا يَرْجُو وَفَاءً الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كَلَامِهِمْ بِالْمُفْلِسِ هُوَ مَحَلُّ الْكَلَامِ بَيْننَا وَبَيْنَ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فَإِنْ قُلْت لَا أُسَلِّمُ تَرَادُفَهُمَا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً يُفِيدُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ إلَّا إنْ انْتَفَى عَنْهُ سَائِرُ وُجُوهِ الرَّجَاءِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ وَهَذَا غَيْرُ الْمُفْلِسِ لِأَنَّهُ مَنْ زَادَ دَيْنُهُ عَلَى مَالِهِ وَإِنْ رَجَا وَفَاءَهُ عَلَى بُعْدٍ قُلْت يَتَّضِحُ مَا يَلْزَمُك بِالتَّسْلِيمِ بِسَوْقِ عِبَارَةِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهَا وَعِبَارَتُهُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِوَفَائِهِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ يُكْرَهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ لَا يُسْتَحَبُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقُ انْتَهَتْ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ قَيَّدُوا الْجِهَةَ الْمَرْجُوَّ مِنْهَا الْوَفَاءُ بِكَوْنِهَا ظَاهِرَةً وَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ تَعْبِيرَ الْمَجْمُوعِ بِغَلَبَةِ ظَنِّ الْحُصُولِ مِنْ جِهَةٍ يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي يَدِهِ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ لَوْ تَصَدَّقَ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَتَيَسَّر لَهُ بَدَلُهُ لِعَدَمِ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ لَهُ يَأْتِي إلَيْهِ مِنْهَا ذَلِكَ حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَرْجُو وَفَاءَ الدَّيْنِ لَوْ تَصَدَّقَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَنْ لَا يَرْجُو
ج / 2