فهرس الكتاب
ص -342- يَظْهَرُ لَك صِحَّةُ مَا قَدَّمْته أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِتَخْرِيجِهِ السَّابِقِ إلَّا مُجَرَّدَ إجْرَاءِ الْخِلَافِ دُونَ التَّرْجِيحِ وَإِلَّا تَنَاقَضَ كَلَامُهُ هَذَا مَعَ ذَاكَ لِأَنَّ هَذَا الْمَذْكُور هُنَا صَرِيح فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً وَالْمَذْكُورُ ثَمَّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ عَدَمِ صِحَّتِهِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ الَّذِي ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّخْرِيجِ إلَّا إجْرَاءَ الْخِلَافِ لَا غَيْرُ وَبِفَرْضِ أَنَّ ظَاهِرَ تَخْرِيجِهِ التَّرْجِيحُ أَيْضًا لَا يَعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الصَّرِيحَةِ لِلْمَذْهَبِ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِهِ نَفْسِهِ هُنَا وَإِذَا اخْتَلَفَ كَلَامُ إمَامٍ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالصَّرِيحِ مِنْهُ دُونَ الظَّاهِرِ كَيْفَ وَالصَّرِيحُ الَّذِي هُنَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ مِنْ أَحَاطَ بِتِلْكَ النُّقُولِ الَّتِي قَدَّمْتهَا فَإِنْ قُلْت مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي التَّفْلِيسِ مَرْدُودٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ قُلْت الْمَرْدُودُ مِنْهُ بَحْثُ مَنْعِ الْحَجْرِ فِي الْمَرْهُونِ بِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ لَهُ فَوَائِدَ كَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَفِيمَا عَسَاهُ يَحْدُثُ بِنَحْوِ اصْطِيَادٍ وَهَذَا الْبَحْثُ وَإِنْ سَلِمَ رَدُّهُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا كَوْنُهُ مَرْدُودًا. الْعِبَارَةُ التَّاسِعَةُ مَا فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ. وَصُورَتُهُ رَجُلٌ وَقَفَ أَرْضَهُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ الْجَوَابُ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي صِحَّتِهِ فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ فَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا هُوَ الْمَنْقُولُ السَّابِقُ أَنَّ تَبَرُّعَ الْمَدِينِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ لِدَيْنِهِ وَفَاءً. الْعِبَارَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْآدَمِيِّ وَإِنْ حَلَّ وَاسْتَغْرَقَ مَالَهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ. وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ مَالَهُ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِجِهَةِ الدَّيْنِ ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ نَذْرَ التَّصَدُّقِ بِعَيْنِ النِّصَابِ النَّقْدِ أَوْ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ قَالَ جَعَلْته صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَوْ ضَحِيَّةً فَتَمَّ الْحَوْلُ قَبْلَ صَرْفِهِ لِجِهَةِ النَّذْرِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالنَّذْرِ أَوْ الْجَعْلِ هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَنَقَلَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاعْتِرَاضُ الْبُلْقِينِيُّ لَهُ أَشَارَ الْجَلَالُ إلَى رَدِّهِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ إنَّ مَالَهُ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى جِهَةِ الدَّيْنِ أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلَبِ الْمُوجِبِ لِلْأَدَاءِ فَوْرًا لِأَنَّ لَهُ الْأَدَاءَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِاقْتِرَاضٍ أَوْ نَحْوِهِ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ فَالْمَالُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ لَا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْيَان مَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ فَأَيُّ مُبْطِلٍ لِتَبَرُّعِهِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا مَا فَرَّعُوهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ صِحَّةِ النَّذْرِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ مِنْ الْمَدِينِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا لَهُ وَزَائِدٌ عَلَيْهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا ظَاهِرًا لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَحِينَئِذٍ يَزْدَادُ تَعَجُّبُك مِنْ الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ مَعَ وُضُوحِ صَرَائِحِ الْمَذْهَبِ فِيهِ. وَلَقَدْ رَأَيْت لِكَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ حَضْرَمَوْت فِي بَيْعِ الْعُهْدَةِ مَا يُشَابِهُ مَا وَقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ بَلْ هُوَ أَقْبَحُ بِكَثِيرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَذْهَبِ الْمُخَالَفَةَ الصَّرِيحَةَ بِإِبْدَاءِ آرَاءَ يَجْزِمُونَ بِهَا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ الْمَذْهَبِ وَقَوَاعِدِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ عُذْرًا فِي ذَلِكَ بَلْ أَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ الْمُعْتَرِفِينَ بِهِ وَالْمُذْعِنِينَ لَهُ أَنَّهُمْ شَافِعِيَّةٌ وَمُفْتُونَ وَمُؤَلِّفُونَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ قَطْعًا بِأَيِّ مَرْتَبَةٍ فَرَضْتَهَا مِنْ مَرَاتِبِ الِاجْتِهَادِ فَمَعَ ذَلِكَ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُمْ فِي إفْتَاءٍ أَوْ تَأْلِيفٍ أَنْ يَذْكُرُوا آرَاءً لَا يُمْكِنُ تَخْرِيجُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِوَجْهٍ
ج / 2