فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 1843

ص -344- ذَلِكَ كَانَ صَرِيحًا فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ دَيْنَهُ مُسْتَغْرِقٌ وَأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِشِرَاءِ الْمَاءِ وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فَلْتَصِحَّ سَائِرُ تَبَرُّعَاتِهِ. الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي التَّفْلِيسِ اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّف مُفْتَقِرٌ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا انْتَهَتْ وَهِيَ صَرِيحَةٌ لَا تَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي صِحَّة تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَأَنَّهُ لَا يُمْنَعُهُ مِنْهُ إلَّا الْحَجْرُ الْحِسِّيُّ أَوْ الشَّرْعِيُّ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ قَالَ لَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فَأَيُّ تَنْصِيصٍ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهَا الْمُوَافِقُ لِعِبَارَتِهَا أَيْضًا فِي الْعِتْقِ فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ مَا اقْتَضَاهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ كَانَ ذَلِكَ أَعْجَبَ إذْ كَيْفَ تُتْرَكُ صَرَائِحَ النُّقُولِ لِتَخْرِيجٍ مُتَأَخِّرٍ بِمُحْتَمَلٍ بَلْ مَرْدُودٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ مُوَضَّحًا. الْعِبَارَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ قَوْلُ جَمْعٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحِيَلِ إنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّ الْغَيْرِ بَعْدَ وُجُوبِهِ حُرِّمَتْ فَهَذَا مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا مَعَ حُرْمَتِهَا وَإِبْطَالِهَا لِحَقِّ الْغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ الْمُتَصَرَّفِ فِيهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا يَصِحُّ الْعَقْدُ الْمُشْتَمِلَةُ تِلْكَ الْحِيلَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ فَوَّتَ ذَلِكَ الْحَقَّ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُرْمَةَ تَفْوِيت ذَلِكَ الْحَقِّ لَا يُنَافِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُفَوِّتِ لَهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فَأَوْلَى تَبَرُّعُ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ لِأَنَّ الْحَقَّ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَبِفَرْضِ صِحَّةِ تَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ لَيْسَ مُقْتَضِيًا لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بَلْ إنَّمَا يُبْطِلُهُ التَّعَلُّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا أَوْ الْأَمْرِ اللَّازِمِ لَهَا فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ اضْطَرَّنَا إلَيْهِ مَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْحِيَلِ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ رَدُّ مَا لِلْبَنْدَنِيجِيِّ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ الْعِبَارَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْ فِي الْوَاهِبِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ. ا هـ. وَهَذَا صَرِيحٌ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فَإِنَّهُ مَتَى انْتَفَى الْحَجْرُ وُجِدَتْ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ فَفِيهِ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَإِنْ انْتَفَى الْحَجْرُ فَلَا تَصِحُّ تَبَرُّعَاتِهِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا فَإِنْ قُلْت لَوْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ التَّبَرُّعُ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ كُلَّ تَبَرُّعٍ فَوَّتَ حَقَّ الدَّائِنِ يَكُونُ حَرَامًا قُلْت هَذَا غَفْلَة عَمَّا مَرَّ مَبْسُوطًا أَنَّ مَلْحَظ الْحُرْمَةِ غَيْرُ مَلْحَظِ الصِّحَّةِ إذْ مَدَارُ الْحُرْمَةِ عَلَى إلْحَاق الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمَا يُفَوِّتُ قَضَاءَ دَيْنِهِ بِأَنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فَقَدْ أَضَرَّ بِالدَّائِنِ فَأَثِمَ لِذَلِكَ وَمَدَارُ الصِّحَّةِ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ حَقٍّ بِالْعَيْنِ وَمَتَى لَمْ يُحْجَرْ عَلَى الْمَدِينِ فَالدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَكُنْ لِإِبْطَالِ تَصَرُّفِهِ وَجْهٌ وَإِنْ حَرُمَ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَا لِمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَصْلًا كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيَقْطَعُ النِّزَاعَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ أَدَاءُ الدَّيْنِ بِالطَّلَبِ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ حِينَئِذٍ. وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا مَرَّ بِنُفُوذِ التَّصَرُّفِ الشَّامِلِ لِلتَّبَرُّعِ فَعَلِمْنَا أَنَّ حُرْمَةَ التَّبَرُّعِ لَا تُنَافِي صِحَّتَهُ فَاحْفَظْ ذَلِكَ وَاشْدُدْ بِهِ يَدَيْك تَسْلَمْ مِنْ اللَّجَاجِ وَالْعِنَادِ اللَّذَيْنِ لَا يَلِيقَانِ بِفَاضِلٍ فَضْلًا عَنْ كَامِلٍ حَمَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَنْ ذَلِكَ وَوَفَّقَنَا لِسُلُوكِ أَقْوَمِ الْمَسَالِكِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.

الْعِبَارَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْلُ أَفْقَهِ تَلَامِذَةِ الْفَتَى وَأَجَلِّ مَشَايِخِ شَيْخِ الْمُفْتِي اللَّذَيْنِ احْتَجَّ بِكَلَامِهِمَا فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ الشِّهَابَ الْمُزَجَّدَ صَاحِبَ الْعُبَابِ فِي فَتَاوِيهِ بِصِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ

ج / 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت