فهرس الكتاب
ص -352- وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَذْهَبِ وَمَنْقُولِهِ وَقَوْلُهُ بَلْ أَقُولُ صَدْعًا بِالْحَقِّ يَجُوزُ نِسْبَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَى بُطْلَانِ هِبَةِ الْمَدْيُونِ حَيْثُ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ التَّصْدِيقَ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ التَّيَمُّم وَمِنْ تَحْرِيمِ التَّصَدُّقِ فِي بَابِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَمِنْ نِسْبَةِ الْوَجْهَيْنِ بِالْهِبَةِ لِلْوَالِي عَلَى سَبِيل الرِّشْوَةِ وَتَعْلِيلُ أَحَدِهِمَا بِالْمَعْصِيَةِ وَهِيَ الْعِلَّةُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّوَوِيُّ. ا هـ. يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا الصَّدْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى صَدْعٍ فِي فَهْمِ مَدْرَكِ هِبَةِ الْمَاءِ وَمُدْرَكِ صَدَقَةِ الْمَدِين وَقَدْ مَرَّ مُتَكَرِّرًا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ كَوْنُ الْحُرْمَةِ ذَاتِيَّةً فَاقْتَضَتْ الْبُطْلَانَ حَتَّى فِي الْبَيْعِ بِأَضْعَافِ الثَّمَنِ وَالثَّانِي هُوَ كَوْنُهَا خَارِجَةً عَنْ الذَّاتِ وَلَازِمِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِمَعْنًى فِي الْمُتَصَدَّقِ بِهِ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الدَّائِنِ بِهِ بَلْ فِي الدَّائِنِ الْخَارِجِ عَنْ ذَلِكَ بِإِضْرَارِهِ بِتَفْوِيتِ دَيْنِهِ وَالْخَارِجَةُ كَذَلِكَ لَا تَقْتَضِي إبْطَالًا وَمَسْأَلَةُ الرِّشْوَةِ مِنْ قَبِيلِ الْأُولَى فَحُرْمَتُهَا ذَاتِيَّةٌ لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهَا وَإِخْرَاجُهَا مِنْ يَدِهِ إنَّمَا هُوَ كَرْهٌ عَلَيْهِ فَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْصِ الْمُعْطِي لِإِرْشَائِهِ عَلَى وُصُولِ حَقِّهِ فَاعْتِمَادُ النَّوَوِيِّ لِكَوْنِ الْعِلَّةِ الْمَعْصِيَةَ مَحْمُولٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ وَالْأَصْحَابُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الذَّاتِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِتَأَمُّلِ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ وَإِبْطَال التَّصَرُّفِ الْمُحَرَّمِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُعْتَرِضُ وَبَنَى عَلَيْهِ صَدْعَهُ بِالْحَقِّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ لِشَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ هِبَةِ الْمَدِينِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا مُحَرَّمَةً لِمَا مَرَّ مِنْ الطَّرِيقِ الْمُسَوِّغَةِ لِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ إنَّ التَّحْقِيقَ فِي قَوْلِهِ عَصَى وَلَمْ يَصِحَّا لَازِمٌ بَيْنَ الْعِصْيَانِ وَالْإِبْطَالِ يُقَالُ عَلَيْهِ أَيُّ وَجْهٍ يَفْهَم بِهِ مِنْ عِبَارَتِهِ هَذَا التَّلَازُمُ لَا سِيَّمَا مَعَ الْعِطْفِ بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِقْلَالِ كُلِّ جُمْلَةٍ بِحُكْمِهَا وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ لَوْ عَطَفَ بِالْفَاءِ فَقَالَ عَصَى فَلَمْ يَصِحَّا فَهَذَا يَقْتَضِي نَوْعَ ارْتِبَاطٍ أَوْ تَلَازُمٍ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِهَذِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَصَى إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ وَالْمَعْصِيَةُ هُنَا ذَاتِيَّةٌ كَمَا تَقَرَّرَ فَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ فَلَمْ يَصِحَّا لِمَا بَيْنَ الْحُرْمَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالْإِبْطَالِ مِنْ التَّلَازُمِ وَقَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ الَّذِي تَلَخَّصَ لَنَا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ حَيْثُ حَرَّمَ تَبَرُّعَ الْمَدِينِ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَنُلَازِمُ مَا بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ هُنَا وَإِنْ لَمْ نَلْتَزِمْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِفَارِقٍ. ا هـ. يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا إنَّمَا يَصْدُرُ مِثْلُهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُؤَسِّسُ لَهُ قَوَاعِدَ تُخَالِفُ قَوَاعِدَ غَيْرِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَحْكَامُهُ الَّتِي يَسْتَنْبِطُهَا وَأَنَّى لِأَحَدٍ مِنْ مُنْذُ نَحْوِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنْ يَتَحَلَّى بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذَا الْحَاصِلِ خَالَفَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ وَرَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ مَعَ حُرْمَةِ هَذَا التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ فَوْرًا بِالطَّلَبِ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ مُخَالَفَةُ هَذَا الْحَاصِلِ لِنَصِّ إمَامِ الْمَذْهَب عُلِمَ أَنَّهُ حَاصِلٌ مُبْتَدَعٌ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ رَدًّا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ لِفَارِقٍ يُقَالُ عَلَيْهِ كَانَ يَنْبَغِي لَك إبْدَاءُ هَذَا الْفَارِقِ لِيَصِحَّ أَوْ يَبْطُلَ مَا اخْتَرَعْته مِمَّا لَمْ تُسْبَقْ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ وَلَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ تَقْتَضِي الْإِبْطَال وَلَوْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ نَعَمْ هَذَا الْحَاصِلُ يُنَاسِبُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ لَكِنَّهُ يُعَمِّمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حُرْمَةٍ خَارِجِيَّةٍ فَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا الْمَحَلِّ فِي التَّلَازُمِ دُونَ غَيْرِهِ لَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ أَحْمَدَ وَلَا قَوَاعِدَنَا بَلْ وَلَا قَوَاعِدَ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَحْرِيرِ مَذَاهِبِهِمْ
ج / 2