ص -356- أَوْ الْأَفْسَدِ إنَّمَا هِيَ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ وَوُجِدَ بَلْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَفْسُهُ اسْتَشْكَلَ الْقَاعِدَةَ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ نَزَلَ بِبَلَدٍ وَخَافَ نَاسُهُ مِنْ اسْتِئْصَالِهِ لَهُمْ إلَّا لَمْ يُعْطُوهُ فُلَانًا أَوْ مَالَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَفْسَدَةَ الْوَاحِدِ دُونَ مَفْسَدَةِ الْجَمِيعِ بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَشْفِي ثُمَّ تَرَتُّبُ تِلْكَ الْمُفْسِدَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلَى الْبَيْعِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْتُهُ آنِفًا فِي الْبَيْعِ مِنْ ظَالِمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ. وَوُقُوعُ هَذَا مِنْ الْمَدْيُونِينَ نَادِرٌ جِدًّا أَوْ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ لَكِنْ بِمُحَابَاةٍ وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ نُدُورٌ وَإِنَّمَا الْغَالِبُ تَبَرُّعُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ بَلْ لَا يَسْلَم مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْفَذُّ النَّادِرُ لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ لَا يَخْلُو مِنْ دَيْنِ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَبَرَّعُونَ وَإِنْ لَمْ يَرْجُوا لِذَلِكَ وَفَاءً فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ الْفَتَى فِي التَّبَرُّعِ فَقَطْ أَوْجَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ هُوَ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ ضَعِيفًا بَلْ شَاذًّا وَقَوْلُهُ بَنَاهُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ ذِكْرُهُ الْبَيْعَ سَهْوٌ فَإِنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَمْ يُخَرِّجْ إلَّا عَلَى هِبَةِ الْمَاءِ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَا يَحْتَاجُهُ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَأَتَّى قِيَاسُهُ عَلَى الْهِبَةِ لَا الْبَيْعِ كَمَا هُوَ جَلِيُّ. وَقَوْلُهُ وَالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَاهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْحَقَّ هَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا وَكَيْفَ يَكُونُ الْحَقَّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ الَّذِي مَرَّ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْنِي الْفَتَى لَمْ يَجْرِ عَلَى مَا قَالَاهُ لِأَنَّهُمَا قَائِلَانِ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ قَصْدِ مُضَارَّةٍ لِلْغُرَمَاءِ وَالْفَتَى يُقَيِّدُ بِاشْتِرَاطِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ فِي السُّؤَالِ وَفِي كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا الْبَيْعُ بِهَذَا الْقَصْد فَاقْتَضَى أَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى ذَلِكَ الْقَصْدُ صَحَّ مِنْهُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ وَهَذَا تَفْصِيلٌ مُخْتَرَعٌ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ نَقْلٌ وَلَا قَاعِدَةٌ بَلْ الْمَنْقُولُ وَالْقَاعِدَةُ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ فَلِيَكُنْ رَدًّا عَلَيْه. وَقَوْلُهُ وَقَدْ وَرَدَ إلَخْ هُوَ مُطَالَبٌ بِبَيَانِ وُرُودِ ذَلِكَ عَمَّنْ وَمِنْ أَيِّ طَرِيقٍ مُعْتَدٍّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ قَاضٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَالِمِ فِي هَذَا الَّذِي زَعَمَ وُرُودَهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَق وَهُوَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ مُنْذُ نَحْوِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ وَالنَّاسُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إنَّمَا يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَوُجُوهُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهَا وَكُلُّ عَالِمٍ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يَنْطِقُ إلَّا بِمَا يَلِيقُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ لَاقَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ أَمْ لَا وَمِنْهَا قَوْله وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ قَصْدَ الْمُضَارَّةِ لَا يَقْتَضِي إبْطَالًا مُطْلَقًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ الَّذِي قَدَّمْته آنِفًا وَبِمَا قَرَّرْتُ بِهِ كَلَامَهُ وَبَيَّنْتُ مَا فِيهِ يُعْلَمُ صِدْقُ مَنْ قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ إنَّ إفْتَاءَ هَذَا إفْتَاءٌ بِالرَّأْيِ وَبُطْلَانُ اعْتِرَاضِ هَذَا بِأَنَّهُ تَعَصُّبٌ عَلَيْهِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْته أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْبُطْلَان قَصْدُ الْمُضَارَّةِ وَهَذَا رَأْيٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَنْ قَلَّدَهُمَا فِيمَا زَعَمَهُ أَعْنِي ابْنَ الرِّفْعَةِ وَالْأَذْرَعِيَّ وَلَا غَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا مَنْقُولُ الْمَذْهَب صِحَّة تَبَرُّع الْمَدِينِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَمَا مَرَّ أَوَائِل الْكِتَاب عِنْد تَحْرِيرِي لِلْمَدِينِ الَّذِي وَقَعَ النِّزَاع فِي صِحَّة تَبَرُّعِهِ وَبَحَثَ ذَيْنك وَمَنْ تَبِعَهُمَا بُطْلَانَهُ مُطْلَقًا فَتَفْصِيلُ الْفَتَى بَيْنَ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَعَدَمِهَا رَأْيٌ مُخْتَرَعٌ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مُحَقِّقًا وَلَهُ تَآلِيفُ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْحَقُّ بِالرِّجَالِ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَعْظَمَ تَخْطِئَتَهُ مَعَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا
ج / 2