ص -357- يُعْرَفُ الرِّجَالُ بِالْحَقِّ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ قَالَ إنَّ فَتْوَاهُ هَذِهِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ هُوَ الْمَنْقُولُ كَيْفَ وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَبِأَنَّهُ قَلَّدَ فِيمَا قَالَهُ ابْنَ الرِّفْعَةِ وَالْأَذْرَعِيَّ عَلَى أَنَّهُ خَالَفَهُمَا بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ بَيْنَ قَصْدِ الْإِضْرَارِ وَعَدَمِهِ فَأَيُّ مَنْقُولٍ اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَزْعُمَ مَنْ قَلَّدَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَنَّ فَتْوَاهُ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ هُوَ الْمَنْقُولُ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ مَعَاصِرِي الْفَتَى اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ فَقَدْ بَرَّ فِي ذَلِكَ وَصَدَقَ لِمَا عَلِمْت أَنَّ هَذَا هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فِي مَوَاضِعَ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ وَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا جَرَوْا عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَمَنْ اعْتَرَضَ عِبَارَتَهُ هَذِهِ فَهُوَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَسَّفَ فِي اعْتِرَاضِهِ وَأَتَى فِيهِ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي التَّفْلِيسِ فِي الثَّانِيَةِ عَشَرَ إنَّ هَذَا لَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ ثُمَّ بَسَطَ الرَّدَّ عَلَيْهِ. وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ صَاحِبَ الْمُؤَلِّفِ السَّابِقِ ذَكَرَهُ لَمَّا حَكَى عَنْ فَتْحِ الْبَارِي لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْحَافِظِ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ قَالَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَا الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّبَرُّعُ لَكِنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْفَلَسِ وَقَدْ نَقَلَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. ا هـ. أَيْ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّ مَا فَعَلَهُ الْمَدِينُ رَدٌّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَكِنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إلَخْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ لِغَيْرِهِ وَأَحْسَبُ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَ الرَّوْضَةِ السَّابِقَ وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ. ا هـ. الْمَقْصُودُ وَأَنْتَ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ التَّأَمُّلِ غَنِيٌّ عَنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رَدِّهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَةٍ مَا إلَى مَا فِيهِ إذْ هَذَا الْحَافِظُ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا يُنْكَرُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْنِدَ ذَلِكَ الْحَمْلَ لِلْفُقَهَاءِ الشَّامِلَ لِلْمُجْتَهِدِينَ ذَوِي الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ وَغَيْرِهَا بِمُجَرَّدِ عِبَارَةٍ يَجِدُهَا فِي الرَّوْضَةِ وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَتَجَاسَرُ عَلَى كَلَامِهِ بِرَدِّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِغَيْرِهِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا مِمَّنْ سَاوَاهُ فِي الْحِفْظِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَمَّا مَنْ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَة مِنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُحِطْ بِنُصُوصِ مَذْهَبِهِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا قَالَهُ ذَلِكَ الْحَافِظُ وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ أَبْحَاثًا مَرْدُودَةً كَمَا مَرَّ. وَقَوْلُهُ عَنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي الثَّانِيَةِ عَشَرَ إنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْجَبْ الْعَجَبِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَإِنْ قُلْتَ نَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ قُلْت: قَدَّمْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فَرَاجِعْهُ وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ هَذَا الْكِتَابِ وَمُقَابِلِهِ لِتَعْلَمَ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْبَاطِلِ وَالْقَوْلَ الْجَلِيّ مِنْ الْقَوْلِ الْحَائِرِ الْمَائِلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا أَجْمَعِينَ لِمَرْضَاتِهِ وَيُدِرُّ عَلَيْنَا أَخْلَافَ نِعَمِهِ وَهِبَاتِهِ وَيَجْعَلُنَا مِنْ إخْوَانِ الصَّفَا الَّذِينَ هُمْ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلُونَ وَبِالْحَقِّ عَامِلُونَ وَإِلَيْهِ مُسَارِعُونَ وَعَنْ دَاءِ اللَّجَاجِ وَالتَّعَصُّبِ يَتَنَزَّهُونَ إنَّهُ الْمَنَّان بِكَرَمِهِ الْمُتَفَضِّلُ بِنِعَمِهِ فَإِلَيْهِ مَفْزَعُنَا فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلِ يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك عَدَد
ج / 2