فهرس الكتاب
ص -103-"وسئل"- نفع الله به - عمن معه ماء لكنه يخشى العطش في المآل, وهناك عطشان في الحال فهل يجب عليه بذله له أو لا؟"فأجاب"بقوله: ذكر في المجموع في المقدم منهما وجهين ولم أر من رجح منهما شيئا, والذي يظهر ترجيحه أنه يقدم العطشان في الحال إذا خشي من العطش الهلاك؛ لأن إتلاف مهجته محقق بخلاف المالك فإنه قد يحصل له ماء فإن كان ببرية أيس فيها من حصول ماء وغلب على ظنه الهلاك لو بذل ما معه فللنظر في ذلك مجال, وعدم وجوب البذل حينئذ أقرب وكذا لو خشي العطشان من العطش في الحال إتلاف عضو أو حدوث مرض ونحوه, وخشي المالك من العطش في المآل إتلاف النفس, فلا يجب البذل أيضا على الأقرب فإن قلت: هذا التفصيل الذي ذكر غير الوجهين المطلقين المذكورين في المجموع قلت: لا يضر ذلك على أنه ليس غيرهما, بل هو ترجيح لواحد منهما بشرط لم يذكره النووي - رحمه الله - لعدم تعرضه للترجيح.
"وسئل"رضي الله عنه عن قول المنهاج وغيره في التيمم, وبرمل فيه غبار هل المراد بغبار الرمل ما يحصل من التراب لا ما خلق من نفس الرمل بدليل ما قد يوهم ذلك من قول المنهج يتيمم بتراب ولو برمل, أو المراد أعم. وإنما عبر المنهج بذلك لأن الغبار المخلوق من نفس الرمل يسمى ترابا وإلا لكان قول الشارح المحلي بعد قول المنهاج ما تقدم؛ لأنه من طبقات الأرض وكان في معنى التراب ضائعا"فأجاب"بقوله: قد صرح الولي أبو زرعة بأن غبار الرمل لا يسمى ترابا. وعبارة الحاوي كالروض والإرشاد وعبارة شيخنا في شرح البهجة أنه يسميه ومن ثم قال بعض شارحي الإرشاد: مثل بغبار الرمل ليفيد أنه من جنس التراب أو من طبقات الأرض, ويجوز أن يكون تنظيرا لما يجوز التيمم به من غير التراب بالتراب, وقد يحمل كلام أبي زرعة على أنه لا يسميه حقيقة, وكلام غيره على أنه يسميه مجازا, ويدل لذلك عبارة شرح الإرشاد المذكورة حيث جوز أن يكون تمثيلا وأن يكون تنظيرا, نعم قول الماوردي: الرمل ضربان: ما له غبار, فيجوز التيمم به؛ لأنه من جنس التراب. وما لا غبار له فلا, لعدم الغبار لا لخروجه عن اسم التراب ظاهر في أن كلا منهما يسمى ترابا حقيقة إلا أن يؤول ما ذكر, وبتأمل ما تقرر اتضح كلام المنهج مع كلام الشارح المحقق أعني الجلال المحلي, وأنه لا تنافي بينهما لصحة التيمم به سواء أقلنا إنه تراب حقيقة أم مجازا. وقول الغزي: لو سحق رمل وصار له غبار صح التيمم به بخلاف الحجر المسحوق يرده قولهم: لا يصح بالرمل الناعم لأنه حصى متصاغرة جدا كالحجارة المدقوقة فإن قلت: أي فرق بين المدقوق والغبار وإن تحققنا أنه من الرمل قلت: الفرق أن الغبار ليس حصى متصاغرة ولا قريبا من ذلك, وإنما هو شيء ينفصل عن تلك الحصى بواسطة التصاق بعضها ببعض أو بنحو ذلك ففيه معنى غبار التراب الحقيقي بخلاف الرمل المدقوق فإنه لم يخرج بالدق, وإن بولغ فيه عن كونه حصى متصاغرة جدا, فلم يكن فيه معنى غبار التراب والله أعلم.
ج / 1